مال و أعمال

مصر كانت على بعد خطوة من إنتاج الخلايا الشمسية محلياً لكن «الخدعة الصينية» أضاعت الحلم.. القصة الكاملة لحلم لم يكتمل

           تمر مصر حالياً بأزمة كبيرة فيما يتعلق بحلمها الخاص بإنتاج الخلايا الشمسية محلياً، وعدم وضع رقبتها بين أيادي الخبراء الأجانب، في ظل ثغرة بالاتفاقية التي أبرمتها القاهرة مع بكين لمساعدتها على إنتاج هذه الخلايا.

مصر تملك حالياً كل الإمكانات التي تحتاجها لتصنيع الخلايا الشمسية محلياً، لكنَّ أمراً واحداً فقط هو الذي يحول دون إتمام هذا المشروع العملاق.

الطاقة الشمسية.. القصة من البداية

منذ عام 2010، هناك حديث دائم في مصر عن استغلال الشمس الساطعة، وتحويل مصر تدريجياً للاعتماد على الطاقة الشمسية، بل وتصديرها للمنطقة.

مرَّت الفكرة بمراحل صعود وهبوط، بدأها القطاع الخاص، وكانت من خلال قيام الأفراد بوضع ألواح الطاقة الشمسية فوق أسطح المنازل، ليستخدموها للحصول على احتياجاتهم، على أن تأخذ الدولة الفائض منهم بسعر مناسب.

كانت الفكرة أن يتم تمويل هذا المشروع بقروض شخصية ميسَّرة من قبل البنوك المصرية، وبالفعل رحَّبت البنوك المصرية (الأهلي، الإسكندرية، القاهرة) في 2014 بالدخول في هذا المشروع وتمويله.

لكن فجأة توقَّف المشروع مع ظهور «الدولة» في الصورة، التي قرَّرت أن يتم المشروع بشكل مركزي وعملاق، من خلال شراكة أجنبية مع ألمانيا.

وبالفعل، أعلن عن شراكة مصرية ألمانية لإقامة 3 مجمعات لإنتاج الطاقة الشمسية بمحافظة أسوان، على أن يتم بناء كل محطة لإنتاج 400 ألف ميغاوات في العام، وفي مارس/آذار 2018، تم افتتاح أول محطة من ضمن 32 محطة تعمل بالمشروع بمدينة بنبان بأسوان.

الحل: إنتاج الخلايا الشمسية محلياً

كل تلك المحطات تلعب مصر فيها دور المستهلك ليس إلا، فالمعرفة والتقنيات والإدارة تظل أجنبية، لكن أثناء زيارة الرئيس المصري  للصين في 2016، بحث معهم إمكانيه مساعدة مصر على «تصنيع خلايا الطاقة الشمسية».

ونجح السيسي في الحصول وقتها على منحة من الجانب الصيني، تقدَّر بـ50 مليون جنيه مصري، تستخدم في إقامة مصنع مصري لإنتاج الخلايا الشمسية، بالتعاون مع أكاديمية البحث العلمي المصرية، وبإشراف مباشر من السيد رئيس مجلس الوزراء شخصياً.

اختيرت محافظة سوهاج لتكون مقراً لإقامة هذا المشروع الحيوي، الذي سيُعدُّ نقلة نوعية للاقتصاد المصري، فقدرتك على إنتاج خلايا شمسية يعني أنك أصبحت قادراً على أن تتحول إلى مركز هام للطاقة البديلة في العالم، وأن طاقتك ستكون أحد مصادر دخلك الكبرى حينها.

وبالفعل في مطلع 2017، بدأ العمل على إنشاء هذا المصنع في مدينة سوهاج، وسط أجواء حماسية وسعادة بالغة للجميع.

لكن ثغرة واحدة قد تضيّع الحلم

لم تأت الرياح بما تشتهي السفن، بالعكس اكتشف الجانب المصري مؤخراً حجر عثرة لم يستطيعوا تجاوزها حتى الآن، والحديث هنا لأحد العاملين بوزارة البحث العلمي لـ «عربي بوست»، المحتك بشكل مباشر مع الملف.

تحدَّث المهندس الكيميائي وأحد المشرفين على الموضوع، الذي فضَّل عدم ذكر اسمه، قائلاً: إن العقد مع الصين بدا جيداً نظرياً، لكن عملياً كانت به ثغرتان قاتلتان.

الأولى هي أنه لم يتضمن إرسال فريق مصري للتدرب في الصين على كيفية إدارة وتشغيل الماكينات الجديدة بالمصنع.

والثانية -وهي الكارثة- أن الجانب الصيني غير ملزَم بتوفير المواد الكيميائية اللازمة لتشبيك رمل السيليكا بالقصدير لإنتاج تلك الرقائق.

يشرح المهندس أكثر قائلاً: «كي تصنع الخلايا الشمسية أنت بحاجة إلى رمل السيليكا، ومصر غنية به، وتحتاج ماكينات ضغط وتركيب، وبالفعل قامت الصين بتزويدنا بها، وأرسلتها بالفعل، وتحتاج إلى القصدير وهو متوفر أيضاً».

وأضاف: «أخيراً أنت بحاجة إلى مواد كيميائية تشبك (تلصق) القصدير في السيلكا، وهذا ما لا نمتلكه».

وأوضح أنهم فوجئوا بأن الجانب الصيني قرَّر عدم إرسال تلك المواد الكيميائية، وهو ما يعني ببساطة توقف المشروع، وخسارة كل ما أُنفق، على حد قول المهندس الكيميائي المسؤول.

محاولة إيجاد حلٍّ بديل

أوضح المهندس لـ «عربي بوست» أنهم قاموا بمخاطبة الولايات المتحدة الأميركية وكندا وفرنسا، لكن لم تقبل أي منها منحنا تلك المواد الكيميائية.

«الدولة الوحيدة التي ارتضت كانت الهند، والتي قالت إنها يمكنها تصدير تلك الكيماويات لنا، لكن بعد 6 أشهر»، على حد تعبيره.

وأضاف أن الإشكالية هنا أن المصنع الذي أقامه الصينيون هنا قائم على تقنيات لا نعلم إذا كانت ستتوافق مع المواد الهندية أم لا!

وأخيراً، وبعد جولات مفاوضات مضنية، وافقت الصين على إرسال كيماويات تكفي لمدة 3 أشهر فقط، وبعدها «هم غير ملزمين بأي شيء، ولن يرسلوا مواد أخرى».

الصين لها حساباتها الخاصة

السؤالان البارزان هنا هما: لماذا فعلت الصين هذا بمصر؟ وماذا ستفعل مصر لتجاوز هذا المأزق؟

فيما يخص السؤال الأول، فالإجابة الأكثر منطقية هي أن الصين تراجعت عن وعدها للسيسي، بعد أن تبيَّن لها أن نجاح مصر في إنتاج تلك الخلايا يعني أنها قد تحتكر السوق بالشرق الأوسط وربما إفريقيا.

هذان السوقان تعد الصين فيهما الفارس الأكبر حتى الآن، فلماذا تصنع منافساً لها بيديها!

أما ماذا ستفعل مصر، فبحسب المهندس، فإنه لا يوجد أمامهم سوى حل من اثنين، إما التعامل مع المواد الكيميائية الهندية «ونحن ونصيبنا في هذه الحالة».

أو البدء في إنتاج تلك المواد محلياً، وهو أمر ليس بالسهل، لكنه ليس مستحيلاً أيضاً.

حتى الآن لم تصدر توجيهات رئاسية محدَّدة حيال هذا الأمر «لكننا في الوزارة بدأنا في تشكيل فريق بحث علمي، لوضع خطة إنتاج تلك المواد محلياً إن أمكن ذلك».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *