سياسة

شيعة وسنة وأكراد في قوائم انتخابية واحدة بعراق ما بعد الطائفية.. تحالفات حقيقية أم شراكة مؤقتة سرعان ما ستنهار

        وكالات: يأمل العراقيّون أن تؤدي الانتخابات العامة التي تجرى في 12 مايو/أيار إلى طمس الانقسامات الطائفية التي عمّت البلاد منذ عقود، لكنّها تفاقمت منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدّة في 2003، والذي أطاح بحكم صدّام وحزب البعث.

وحسب مجلة Foreign Policy الأميركية فإن العراقيون يعلقون آمالاً كبيرة على هذه الانتخابات، خاصة وأنها الأولى بعد هزيمة تنظيم الدولة “داعش”، ووجود قوائم انتخابية مبنية على تحالفات متنوعة طائفياً. غير أن البعض يرى أن هذه التحالفات هي مجرد “تحالفات انتخابية” لتحقيق مصالح خاصة بعيدة عن وحدة العراق ومستقبله.

فقد أطلق آية الله السيد السيستاني، أرفع رجل دين شيعي في البلاد، نداءً في 4 مايو/أيّار يقول فيه بأنَّ “التنافس بين الأحزاب ومرشحي الانتخابات يجب أن يرتكز على البرامج الاقتصاديّة والتعليميّة والخدمة المجتمعية التي يُمكن أن تنفّذ بصورة واقعيّة، ويجب تجنّب النرجسيّة والتحريض الطائفيّ والخطابات القوميّة”.

تحالفات متنوعة طائفياً

وقبل ذلك في 2014، أصبح العبادي، الذي كان آنذاك نائباً في البرلمان عن حزب الدعوة الإسلاميّة الشيعي المتشدّد، رئيساً للوزراء كمرشّح توافقيّ بعد سقوط الموصل في يد محاربي داعش التي كان انتشارها يتزايد في ذلك الوقت.

وكان العبادي قد خلف نوري المالكي الذي كان يُنظر إليه من قبل الكثيرين على أنَّه فاسد وطائفي. وتعهّد العبادي بالتواصل مع السنّة وبعض الأقليّات الأخرى، وإصلاح العلاقات مع الدول المجاورة للعراق، واجتثاث الفساد أو على الأقل كشفه للعيان.

وانضم تحالف شيعي آخر بزعامة قائد المليشيا السابق المدعوم من إيران، هادي العامري، إلى قادة المليشيا السنيّة التي كانت تحارب داعش. وفي هذه الأثناء، انضم مقتدى الصدر، رجل الدين الذي أسّس أول ميليشيا شيعيّة بعد الحرب في العراق عام 2003، إلى الحزب الشيوعيّ العراقي، وتواصل مع السياسيّين السنة.

واعتبر ثاناسيس كامبانيس، الزميل في مؤسّسة Century Foundation إنَّ “التطوّر الجديد هو أنَّ جميع القادة وأمراء الحرب الطائفيّين الفاسدين أُجبروا على تشكيل تحالفات مع حلفاء من غير الشيعة وغير الإسلاميين”. وأضاف “في السابق، كان كلّ من يمتلك قوة هو إسلاميّ شيعيّ. لكن ذلك الأمر لم يعد مصدراً للاختلاف بعد الآن”.

وقد سعى العبادي بالأخص إلى رسم مسار مختلف عن ممارسات من سبقه، والتي نُظر إليها على أنَّها فاسدة وطائفيّة. وقد حدّد العبادي الأسلوب الذي يجب أن يتبعه الآخرون، مجبراً المرشّحين الآخرين على التأقلم معه.

وحسب المجلة الأميركية فإن العبادي قاوم -على عكس المالكي- إغراءات استخدام أجهزة الدولة، مثل الإذاعة العامّة أو خزائن الحكومة، لصالحه. لكنّه كان بدلاً من ذلك، يدير حملة سياسيّة جماهيرية على النمط الغربيّ تسعى لكسب القاعدة الشعبيّة، وتركّز على بناء التحالفات، والتنقل في كل أرجاء العراق لجذب الناخبين.

كان خطاب العبادي شاملاً. أصبح العبادي الشهر الماضي، أوّل رئيس وزراء شيعيّ عراقيّ يقيم حملة انتخابيّة في محافظة الأنبار ذات الغالبيّة السنيّة. وقد قال أثناء الحملة إنَّ “العراقيّين أقوى من المؤامرات التي تسعى إلى تقسيمهم، ونحن شديدو الفخر بتنوّعنا”.

كما عقد العبادي مسيرات في المدن الكرديّة مثل أربيل والسليمانيّة، على الرغم من التوتّرات التي لا تزال شديدة بين حكومة بغداد والعراقيين الكرد، منذ سيطرة قوّات العبادي على المناطق التي كانت تحت سيطرة الكرد لفترة طويلة، في أعقاب الاستفتاء المثير للجدل على الاستقلال، في سبتمبر/أيلول الماضي.

شراكات مؤقتة

يعتبر بعض المحللين أن هذه التحالفات الانتخابية “المتنوعة طائفياً” قد لا تصمد كثيراً، إذ اعتبر مسؤول في منظّمة تروّج للديمقراطيّة بتمويل من الحكومة الأميركيّة، والذي رفض ذكر اسمه “قام أشخاص آخرون بحملات بنفس أسلوب العبادي. جميعهم يحاولون إظهار أنَّهم يحظون بدعم قاعدة شعبيّة بطريقة أو بأخرى”.

ويذهب البعض أكثر من ذلك عندما يؤكد أنه من المهم ألّا نتحمّس كثيراً بهذا الشأن. ويشبّه أحد المحلّلين التعاون الشيعي السنّي، بالتعاون بين العصابات الإيطالية والأيرلندية في مدينة نيويورك، التي وضعت كلّ خلافاتها جانباً وتحالفت لتفوز بالانتخابات. ويصف آخر، التحالفات السياسيّة، بالشراكات المؤقّتة التي نشأت بسبب الحرب على الدولة الإسلاميّة، والتي من غير المرجّح أن تصمد أمامها.

قالت إيريكا غاستون، الباحثة بمعهد السياسية العامة العالمي  Global Public Policy Institute والتي شاركت في كتابة تقرير عن الجماعات المسلّحة العراقيّة “حفّز الصراع الطويل وفترة عدم اليقين كلّ زعيم على فعل شيء للمستقبل، ليس فقط عن طريق الحصول على أسلحة ودعم للرجال، ولكن عن طريق المناورة السياسيّة التي خلقت في بعض الأحيان تحالفات غريبة مع رفاق جدد”.

إنَّ الطبقة السياسيّة في العراق ممزّقة بسبب انعدام الكفاءة والفساد، ما أضعف ثقة الشعب العراقيّ بالديمقراطيّة في البلاد. فقد بدأ الجمهور أثناء حفلة افتتاح إستاد يحتوي على 30 ألف مقعد كلّف 84 مليون دولار في مدينة النجف في 5 مايو/أيّار، بالاستهزاء بسياسيّين كانوا يحاولون الحديث، بالهتاف “أنتم جميعكم لصوص”.

يُمكن أن ينهار أيّ تحالف بُني أثناء موسم الانتخابات بسهولة، في الأسابيع أو حتى الشهور العصيبة التي ستبنى فيها الائتلافات التي تتبع عادة الانتخابات العامّة العراقية وهي التي كانت فترات خطيرة يُمكن أن تجرف البلاد إلى الفوضى. حالما تبدأ الأحزاب بفرز المقاعد، تنحلّ جميع تحالفات ما قبل الانتخابات.

قد يشكّل السياسيّون الشيعة كتلة أغلبيّة تُقصي الآخرين. وقد يرى الكرد الذين كانوا يتناحرون، أن الوحدة في مصلحتهم. أمّا السنّة فقد يُقصون خارج العمليّة السياسيّة مجدداً.

الابتعاد عن الطائفية المتشددة

إلّا أنَّ الانتخابات قد لا تغيّر جوهر قاعدة توزيع السلطة في العراق، لكنّها ربما ترسّخ ابتعاد البلاد عن الطائفيّة المتشدّدة التي أغرقت العراق في حرب أهلية ممتدة منذ عقد مضى. وقد دفعت عدّة عوامل المحلّلين إلى التساؤل عمّا إذا كان الوضع في العراق قد بدأ في التحسّن والدخول في مرحلة جديدة من التغيير.

أحد هذه العوامل هو الروح الموحدة التي خلقتها الحرب ضد الدولة الإسلاميّة، والخراب الذي حلّ بسببها على المدن والمناطق السنيّة التي رفضت كلاً من الغزو الأميركيّ وأوامر النظام السياسيّ اللاحق للغزو الذي سيطر عليه الشيعة.

وقال فنار حدّاد، المختصّ بالشؤون العراقيّة في جامعة سنغافورة الوطنيّة “هناك توافق متزايد في المناطق التي كانت أكثر عرضة للرفض والتشكيك في موقف بغداد. أما الآن فهناك شعور بأنَّ النظام السياسيّ هو هنا لكي يبقى، وهناك مساحة للجميع كي يأمّنوا مصالحهم من خلاله”.

العامل الآخر الذي تغيّر هو التشرذم الحاصل بين المجتمعات الرئيسيّة الثلاثة في العراق، التغير الذي قد يجبرهم على إيجاد حلفاء خارج المجتمعات الطائفيّة العرقيّة، وقد يكون ذلك أمراً جيداً للاستقرار السياسي.

وقال كامبانيس “ثمّة شيء كبير سيحدث، وفي أفضل السيناريوهات، سستتبنّى هذه التحركات أيديولوجيات منصات وسياسات حقيقيّة”.

وقد يكون انخفاض حدّة الطائفيّة نتيجة لنجاح العبادي في تدعيم العلاقات مع دول الجوار العراقية جميعها، بالإضافة إلى القوى في المنطقة والعالم. لا تمتلك بغداد اليوم علاقات جيدة مع الولايات المتحدة وإيران فحسب- وهما الخصمان اللذان يمثّلان الداعم الرئيسي للعراق- بل مع روسيا والصين والاتحاد الأوروبيّ كذلك.

والأهم، أنَّ العبادي حسّن علاقات العراق مع القوى السنيّة في المنطقة، وفي مقدمتها تركيا والمملكة العربية السعودية وكذلك جميع دول مجلس التعاون الخليجي. كانت هذه البلدان قد تجنّبت ونبذت العراق لسنوات عندما كانت تحت حكم رؤسائها السابقين، بل ويزعم البعض أنَّ هذه الدول قد استخدمت العراق لتصفية حساباتها مع إيران عن طريق تمويل أو تشجيع الجماعات الطائفية المسلّحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *