سياسة

5 أسباب تجعل انسحاب ترامب من الاتفاق النووي قراراً صحيحاً وفي مصلحة جميع الأطراف !

    بالنسبة لشخصٍ يُتَّهم كثيراً بأنَّه كاذب، يلتزم الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالكثير من الوعود. ففي حملته الانتخابية في عام 2016، وَعَد بأنَّه سيُخرِج الولايات المتحدة من خطة العمل المشتركة الشاملة “الكارثية”، أو ما يُعرَف بـ”الاتفاق الإيراني”.

وبالفعل، أصرَّ على إعادة التفاوض حول الاتفاق الإيراني في شهر أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي 2017. وفي شهر يناير/كانون الثاني من العام الجاري 2018، حذَّر من أنَّه سيُجدِّد الاتفاق النووي في صورته الأصلية للمرة الأخيرة ودعا مجدداً إلى إعادة التفاوض، حتى نفَّذ وعده بالفعل يوم الثلاثاء الماضي 8 مايو/أيَّار.

ويبدو أنَّ اليأس الذي قوبل به القرار -لا سيما من جانب بريطانيا التي أرسلت بوريس جونسون، البرلماني البريطاني، ليناشد ترمب عبر قناة Fox News الأميركية تغيير رأيه، يتغاضى عن نقطةٍ مهمة، ألا وهي أنَّ الاتفاق لا يُجدي نفعاً؛ ليس لأنَّ الاتفاق الذي أبرمه الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما كان خطوةً أولى “كارثية”، وإن كان يحتوي على ثغراتٍ واسعة بما يكفي لصاروخ باليستي عابر للقارات، ولكن لأنَّه ببساطة لم يسرِ كما كان مقصوداً؛ إذ تبيَّن أنَّ الاتفاق يأتي بنتائج عكسية استراتيجياً على المصالح الأميركية ومصالح حلفاء أميركا الإقليميين والأوروبيين، بل ومصالح الشعب الإيراني نفسه، على حد قول ترمب.

كان الهدف من الاتفاق أن تتخلى إيران عن أنشطتها النووية وتصبح مواطناً عالمياً أفضل، مقابل تخفيف الحظر عنها وتنشيط تجارتها.

وبالفعل تحقَّق النصف الثاني من الاتفاق في ظل تضاعُف الصادرات الإيرانية، لكنَّ الكثير من عائدات هذه الصادرات استُخدِم في تمويل مغامرات عسكرية إيرانية، وهذا أحد الأسباب التي دفعت ترمب إلى وصف الاتفاق بأنَّه مصدر “حرج كبير” و”معيبٌ في جوهره”.

فعند “نقطة تركيز جميع الجهود على غرضٍ واحد” في مفاوضات فيينا في عام 2014، طالبت إدارة أوباما وحلفاؤها الأوروبيون إيران بأدنى حدٍّ من الالتزامات.

ومن الواضح أنَّ جون كيري، وزير الخارجية الأميركي السابق، لم يقرأ كتاب The Art of the Deal أو “فن إبرام الاتفاقات”.

إذ أوقف الاتفاق معظم إنتاج إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، ومدَّد “وقت العتبة النووية” اللازم لتطوير اليورانيوم بدرجةٍ كافية لوضعه في الصواريخ.

بينما لم يفرض أي قيودٍ على قدرة إيران على تطوير صواريخ باليستية، ولم يسمح للمفتشين بالوصول إلى مواقع عسكرية، ولم يفرض قيوداً على تخريب إيران للدول المجاورة لها في المنطقة، وقد استغلت إيران هذه الثغرة بابتهاج.

وذلك فضلاً عن احتواء الاتفاق على “أحكامٍ ستُلغى تلقائياً” بعد عشر سنوات بشأن قدرة إيران على إنتاج يورانيوم عالي التخصيب يُستخدم في صناعة الأسلحة، وذلك بمثابة اعترافٍ بأن توقف إيران برنامج الأسلحة لديها مؤقتاً وليس التخلُّص منه نهائياً كما فعلت جنوب إفريقيا في عام 1989.

ومن ثَمَّ، فقد وضع هذا الاتفاق إيران على “مسارٍ سلس” نحو امتلاك أسلحة نووية، على حد وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. حتى إنَّ أوباما نفسه اعترف بأنَّه عند نهاية الاتفاق، “ربما سيكون وقت العتبة النووية حينئذٍ قد تقلَّص إلى الصفر تقريباً”.

وإذا كان الاتفاق أفضل للمصالح الأميركية، لما وافق الإيرانيون عليه. فهل ركَّز الأميركيون جميع جهودهم على غرضٍ واحد بالفعل في فيينا؟ كانت إدارة أوباما يائسةً آنذاك من تخليص أميركا من عبء الشرق الأوسط؛ لذا كان الاتفاق يهدف إلى الخروج من المنطقة بأي ثمن، وجلب الإيرانيين إلى المنطقة بأقل تكلفةٍ ممكنة.

كانت تكلفة الاتفاق بالنسبة للأميركيين تعليق العقوبات ودفع 1.7 مليار دولار، وربما كان هذا المبلغ ليبدو أقل شبهاً بالرشوة إذا لم يدفعه الأميركيون نقداً وسلَّموه بهدوء قدر الإمكان.

أمَّا التكلفة التي تحمَّلتها إيران فكانت تخفيض عناصر برنامجها النووي وتعليقها، والموافقة على نظام تفتيش جزئي.

نسَجت إدارة أوباما هذا الاتفاق أسرع من جهاز طردٍ مركزي. وكانت حجَّتهم أن رفع العقوبات سيُعزِّز الاقتصاد الإيراني، وأنَّ الاتفاق النووي سيخلق نافذةً تمتد من عشر سنوات إلى 15 سنة لدمج إيران في النظام الدولي.

ولكن لم يتحقق أي شيء من ذلك منذ عام 2015؛ فما زال الضعف يُسيطر على اقتصاد إيران وعملتها، ولا يُظهِر الرئيس الإيراني حسن روحاني الذي يُفترض أنَّه “معتدل” ولا الحرس الثوري الإيراني -الذي يمتلك نحو نصف الشركات الإيرانية وأكبر المستفيدين من رفع العقوبات- أي إشاراتٍ على الاعتدال.

ولا يعرف أحدٌ نسبة الأموال النقدية التي وصلت من الـ1.7 مليار دولار إلى “وكلاء” إيران في جميع أنحاء المنطقة. والأكثر يقيناً هو أنَّ الشعب الإيراني لم يستفد من هذا الاتفاق وإن كانت الدولة الإيرانية نفسها قد استفادت؛ إذ تُشير بعض التقديرات إلى أنَّ الدخل الأسري أقل بنسبة 15% مما كان عليه قبل عشر سنوات، ولم يشهد إلَّا زيادة طفيفة بعد الاتفاق. ويوضِّح ذلك جزئياً سبب مواصلة الإيرانيين الاحتشاد في الشوارع احتجاجاً على النظام.

ويراهن ترمب الآن المجتمع الدبلوماسي على أنَّه سيتمكن من تأجيج هذا الاستياء الشعبي للتوصُّل إلى اتفاقٍ أفضل أو ربما قلب نظام المرشدين الأعالي في إيران، وأنَّ ذلك سيُعزِّز المعتدلين في النظام بدلاً من تدميرهم، وهذه مخاطرةٌ كبيرة للغاية.

حين أُبرِمَ الاتفاق قبل ثلاث سنوات، اعتقد الأميركيون والأوروبيون أنَّهم كانوا يشترون اتفاقاً نووياً، ربما يكون ذا سعرٍ مُبالغٌ فيه ولكنَّه يستحق الإبرام. وصار من الواضح على نحوٍ متزايد أن القوى الغربية “أُقنِعَت بتحمُّل تكلفة باهظة”، وأُجبِرَت على قبول بندٍ أغلى بكثير لم تكن تريده: هيمنةٌ إيرانية في الشرق الأوسط؛ إذ تعمل إيران -بدلاً من اندماجها في أسرة الأمم- على دمج العرب بالقوة في إمبراطوريةٍ فارسية. ومن ثَمَّ، تجعل هذه الحقيقة الظاهرة الاتفاق زائداً عن الحاجة. ومع تبقي سبع سنوات على انتهاء الاتفاق، دفعت إيران الشرق الأوسط إلى حافة حرب متعددة الجبهات. وصار الاتفاق درع إيران الاقتصادي والدبلوماسي ضد نتائج أفعالها العدوانية.

إذ أسفرت هذه التصرفات العدوانية عن تفاقم الحرب الأهلية السورية، وبدأ حرباً بالوكالة مع المملكة العربية السعودية في اليمن، فضلاً عن أنَّه على وشك إشعال حربٍ على جبهتين مع إسرائيل في لبنان وسوريا.

فمنذ عام 2011، قَصَرت إسرائيل مشاركتها في الحرب الأهلية السورية على فرض “خطوط حمراء” استراتيجية عن طريق الغارات الجوية.

وفي ظل تعميق إيران وجودها في سوريا وتكثيف شحناتها الصاروخية إلى حزب الله، تسارعت وتيرة الغارات الإسرائيلية وقوتها.

وفي السياق نفسه، دخل الإسرائيليون حالة تأهب قصوى خشية حدوث عمليات تسلل عبر الحدود والتعرُّض لضربات صاروخية من جانب وكلاء إيرانيين انتقاماً مما حدث.

وقبل أسبوعين، هدَّد وزير الدفاع الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان بقصف العاصمة الإيرانية طهران في حل تعرُّض تل أبيب لقصفٍ إيراني.

بينما هدَّد وزير الطاقة الإسرائيلي يوفال شتاينيتز يوم الإثنين 7 مايو/أيَّار بـ”قتل” الرئيس السوري بشار الأسد إذا أُطلِقَت صواريخ من سوريا على إسرائيل.

يُعيد ترمب بالانسحاب من الاتفاق الإيراني بعض التأثير غير المتوقع إلى الولايات المتحدة في مساعيها لاستعادة وضعها الإقليمي.

وبتجريد إيران من الحماية التي يوفرها لها الاتفاق، فإنَّه يُعرِّضها لعدوانٍ روسي – أميركي في سوريا إمَّا قبل قضاء إسرائيل على القواعد الإيرانية في سوريا أو بعده.

وجديرٌ بالذكر أنَّ نتنياهو ذهب إلى العاصمة الروسية موسكو يوم الأربعاء 9 مايو/أيَّار، فهل هناك صفقةٌ تُحقِّق الاستقرار في سوريا وتفصل بين إيران وإسرائيل؟

يُريد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بقاء الأسد في السلطة بسوريا، بينما تُفضِّل إسرائيل الأسد على أي بديلٍ إسلامي، وتُفضِّل وجود نفوذٍ روسي في سوريا على وجود قوة القدس عند سفح هضبة الجولان.

ربما يعمل ترمب على كل هذه المحاور، فالجميع حوَّل سوريا إلى صحراء، بل ويُسمُّون ذلك سلاماً.

نعم الجميع يفعلون ذلك باستثناء الإيرانيين. وفي السياق نفسه، دعا ترمب الإيرانيين يوم الثلاثاء إلى إعادة التفاوض، ولن تسري العقوبات قبل مدةٍ تتراوح بين 90 يوماً و180 يوماً، لذا فما زال هناك وقت.

وفي ظل التطورات السريالية على جبهة كوريا الشمالية، فكل شيء ممكن. ومع ذلك، فعلى الأرجح سيختبر الإيرانيون -الذين يُدركون أنَّ الشعبين الأميركي والأوروبي لا يريدان فعل أي شيء آخر في الشرق الأوسط- ما إذا كانت أميركا وحلفاؤها “يتبنون الرأي نفسه” حقاً كما قال ترمب.

فهل الأوروبيون ملتزمون حقاً بـ”حلٍ حقيقي شامل دائم للتهديد النووي الإيراني” مع كل المخاطر التي ينطوي عليها، بما في ذلك الانسياق إلى حربٍ إقليمية على يد رئيس أميركي لم يعلن استراتيجية بديلة تجاه إيران حتى الآن؟

وكما كان الوضع من قبل، ستهدف إيران إلى فصل الولايات المتحدة عن حلفائها الأوروبيين، وتحدي التهديدات العسكرية للغرب عن طريق تنفيذ هجماتٍ بالوكالة على حلفاء الدول الغربية.

وقد حاول البريطانيون والفرنسيون والألمان إقناع ترامب بإنقاذ الاتفاق، ولكن دون جدوى. بينما طرح الفرنسيون والإيرانيون إمكانية الاستمرار في الاتفاق وكأنَّ شيئاً لم يتغير. ولكن إذا أعيد تفعيل العقوبات الأميركية، فسيكون ذلك مستحيلاً لأي شركة أوروبية على علاقةٍ بالولايات المتحدة. فأي طريق سيسلُكه الأوروبيون -الذين دافعوا بقوةٍ عن الاتفاق ضد تصرُّفات ترمب في الأسابيع الأخيرة- الآن؟

– هذا الموضوع مترجم عن مجلة The Spectator البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *