أخبار منوعة

كفالة اليتيم ورعايته واجب وثقافة إنسانية

     طلقات الرصاص المتتابعة التي استقرت في جسد والد الطفل(م،ب) لم تقتل الاب وحسب بل تسببت للصغير بعقد نفسية كثيرة، ففي اللحظة التي اقدم فيها الارهابيون بعد ان دخلوا لدارهم في احدى مناطق البلاد في فترة التناحر الطائفي على رمي والده بالرصاص بدأ هو بالتهام الطين والحشائش التي كان يختبئ بين احضانها كي تقيه من خطر الارهابيين الذين لم يتسببوا بيتمه وفقدانه لوالده فقط بل بمشكلة صحية ونفسية لم تتركه ابدا اذ اصبح يلتهم الطين كلما تعرض لموقف يخيفه.

تروي حكاية هذا الصغير الباحثة النفسية في مؤسسة العين للرعاية الاجتماعية ميلاد علي قائلة:

“عندما دخل الارهابيون على منزل(م،ب) ورشقوا والده بالرصاص دفعه هذا الى الهرب والاختباء بين الحشائش والنباتات فبدأ بالتهام الطين الذي امامه وهو يتابع هذا المشهد المأساوي، ولكنه ليس اليتيم الوحيد الذي يعاني من مشاكل نفسية بل هناك العديد من اقرانه الذين فقدوا اما الاب او كلا الوالدين ما تسبب لهم بعقد نفسية واضطرابات مختلفة، وضعتنا نحن المختصين النفسيين في تحد لانقاذ هؤلاء الصغار بالرعاية تارة وبالنصح والتوجيه تارة اخرى، ومتابعة الحالة النفسية والصحية لهم كي يتماثلوا للشفاء”.

كفالة اليتيم

تعرض الصغير (م،ب) وعائلته الى الكثير من المشاكل ومنها فقدان المعيل ما تسبب لهم بظروف معيشية قاهرة، ولكن هناك من قرر مساعدة هذه العائلة ومتابعتها، وهناك عوائل اخرى منهم من فقد الاب اما في الصراعات الطائفية التي نهشت جسد البلاد او حروب تحرير الوطن من داعش هم بحاجة الى معيل وكفيل يساعدهم حتى يشتد عودهم ويصبحوا قادرين على اكمال مسيرتهم بقوة ونجاح.

ويوضح من قسم العلاقات العامة في مؤسسة العين للرعاية الاجتماعية سيف الدين محمد ان المؤسسة التي حصلت على اذن السيد السيستاني ومنذ بداية عملها تحرص على مساعدة واحتضان الايتام والتكفل برعايتهم وفق انواع من الكفالات المختلفة منها ما يقدم للمتفوقين دراسيا لكي تساعدهم لانجاز مشوارهم العلمي بنجاح واخرى تخص ذوي الاحتياجات الخاصة، فضلا عن عوائل الشهداء المتطوعين وضحايا الارهاب وتقدم المؤسسة المساعدة المالية المقدمة لهم من مكتب السيد السيستاني،كما عملت في بداية مشوارها على توثيق الجرائم الارهابية واثارها على العوائل العراقية ما سهل مهمة متابعة الايتام الذين انتجتهم الحروب والصراعات التي طحنت البلاد لفترة من الزمن و معرفة اعدادهم الحقيقية، وايضا انبثقت فكرة وجود كفيل يقدم لهم المساعدة المالية التي هم بأمس الحاجة لوجودها، مع وجود ايتام بالمؤسسة يتسلمون مبالغ مالية مصدرها صندوق الصدقات وتبرعات المواطنين الراغبين بتقديم المساعدة لهم.

حكايتي

وتوضح مؤسسة العين ان الكثير من الايتام عانوا من حالات نفسية صعبة ومعقدة ناتجة عن الازمة التي مروا بها من فقدان الاب والام ومارافقها من ظروف مأساوية، وهذا حرمهم من فرص اللعب والترفيه والتثقيف، لذلك فقد سعت المؤسسة الى توفير مركز متكامل يعرف باسم “حكايتي” يعمل على معالجة المشاكل والاضطرابات النفسية لليتيم وتحويله الى شخصية متوازنة متصالحة مع ذاتها فضلا عن تثقيفه وارشاده، وهذا كله يتطلب التبرع بمبلغ 25الف دينار ليرى المشروع النور.

ايواء الايتام

يجمع المواطن هشام الذهبي مايقارب سبعة وخمسين طفلا يتيما اذ قام بايوائهم فهو يقدم لهم المساعدة اما بالتكفل برعايتهم لحين بلوغهم السن القانونية وحصولهم على عمل، او بقائهم بدار الايواء ليحصل على كل مايحتاجونه، ونال الذهبي اهتمام الكثير من وسائل الاعلام وافراد المجتمع لانسانيته الكبيرة التي تعد مثالا يحتذى به، ويعد الذهبي مثالا مهما وانسانيا لايواء وكفالة الايتام.

ويحتاج الاطفال دائما الى الرعاية الصحية ،لذلك تطوعت التدريسية بطب الاسنان في الجامعة المستنصرية  الدكتورة بيداء فليح الى العمل مع نخبة من الاطباء المتطوعين بداخل مؤسسة العين وتشير الى انها قررت تقديم الخدمة الصحية بدافع الشعور بالمسؤولية تجاه افراد المجتمع لاسيما الايتام الذين هم بحاجة الى الرعاية والاهتمام وهذا ما دفع الكثيرين الى العمل التطوعي، وفي عيادة الاسنان بداخل المؤسسة يقدم مجموعة من الاطباء الخدمة للصغار الايتام، ويختار هؤلاء الاطباء اياما معينة من الاسبوع لفحص الايتام منهم من يحتاج الى تقويم وتعويض الاسنان والحشوات وغيرها من الخدمات الطبية وتستقبل العيادة مايقارب 15 مريضا او اقل يوميا، وهناك الكثير من الاطباء يقدمون اجهزة ومستلزمات طبية للعيادة مجانا بهدف خدمة الايتام والارامل ايضا.

الدين والقانون

لطالما حث الدين الاسلامي والديانات السماوية المختلفة على رعاية اليتيم وكفالته، والانفاق عليه وتربيته وتأديبه حتى يبلغ اشده.

اما الوضع القانوني لليتيم فقد لفت القاضي ناصر عمران الموسوي الى ان تعريفه هو القاصر الذي يخضع لأحكام قانون رعاية القاصرين 78 لسنة 1980 المعدل  وكفالته ويعني ذلك رعايته وإعالته وتربيته لاسيما الطفل الذي فقد أبويه أو احدهم دون ان يلحق بنسب الكفيل ورعاية اليتيم تعد جزءا من منظومة الثقافة الانسانية القائمة على الود والرحمة التي حثت عليها كل الديانات والشرائع السماوية والتشريعات القانونية الوضعية، ولم يكن القانون العراقي بعيدا ًعن ذلك خاصة انه يتعكز على تاريخ حضاري رائد في مجال صناعة التشريعات والقوانين فقد تطرق الى موضوع اليتيم والاهتمام به ونفقته ورعايته في كثير من القوانين منها رعاية القاصرين رقم 78 لسنة 1980 وقد تضمن المفهوم العام لهم وقد ادخل مفهوم اليتيم ضمن آلية عمل نصوصه القانونية، وهذا دليل واضح على رعاية الايتام والحث على كفالتهم.

ضحايا الارهاب

بعد ان فقدت والدها في احدى الانفجارات التي تعرضت لها البلاد، تملك  (م،ح) اليأس والاحباط الشديدين  ففكرت بترك دراستها الجامعية، ولكن لم تسمح لها صديقتها (ف، ج) بتنفيذ ذلك، لذلك قررت ان تساعدها بدون معرفتها اذ قامت بجمع مبلغ مالي واعطائه اياه شهريا كي يساعدها هي وعائلتها على تجاوز ازمتهم بسبب فقدان المعيل.

وتقول(ف،ج):
“ان خسارة صديقتي لوالدها بهذه الطريقة القاسية وفقدانها المعيل جعلني افكر بمساعدتها بكل الطرق المتاحة، ودون ان اتسبب بجرح مشاعرها او اهانة كرامتها، لذا بدأت بمنحها مبلغا ماليا دون ان تعرف مصدره وبالتالي اصبحت قادرة على اكمال مشوارها العلمي وتحقيق التفوق الدراسي”.

استاذة علم النفس والاجتماع في جامعة بغداد الدكتورة شيماء عبد العزيز تثمن هكذا مبادرات وهي ترى انها تساهم بشكل كبير في تخفيف العبء الواقع على كاهل عوائل الشهداء، الذين هم ضحايا لظروف خارجة عن ارادتهم  وتحث دائما الشرائع السماوية والقوانين الوضعية على كفالة الايتام ورعايتهم، كي ينشأوا وهم مستقرون نفسيا لان اليتيم قد يصنع شخصا انطوائيا ومنعزلا، لذلك على كل فرد من افراد المجتمع ان يسهم برعاية وكفالة يتيم واحد على الاقل وان لايبخلوا عليهم بالعون لانهم يمرون باقسى الظروف.

الصدقة الجارية

مسؤول الاعلام في مؤسسة العين عمار عبدالزهرة بين ان جهود المؤسسة مسخرة بإتجاه الصدقة الجارية التي تكون ذات ثواب مستمر في حياة الانسان وبعد مماته ايضا وهي تشمل اقامة مشاريع يبقى ريعها مستمرا، فضلا عن رعاية الايتام وكفالتها واحتضانهم والوصول اليهم يتم عبر الوثائق المتوفرة عنهم التي تم جمعها من قبل متطوعي المؤسسة ما يسهل التواصل معهم وخدمتهم بشكل كبير.

كما منحت العين من يرغب بتقديم المساعدة للايتام فرصة كفالتهم وفق عقد ادبي ويتكفل بموجبه منحهم مبلغا ماليا معينا وهدايا وملابس ومواد عينية فضلا عن علاج اليتيم الذي يتكفل به في حال مرضه او حاجته للخضوع لعملية جراحية.

لوسائل الاعلام دور مهم وحيوي في القضايا التي تمس المجتمع بصورة مباشرة، وتشكل رعاية الايتام والتكفل بما يحتاجون اليه امرا مهما واساسيا وثقافة لابد من نشرها في المجتمع، هذا ما اشارت اليه استاذة علم النفس والاجتماع في جامعة بغداد متابعة ان توعية افراد المجتمع بكفالة واحتضان الايتام قضية مهمة وجوهرية ومن شأنها ان تحقق الترابط المجتمعي وتحمي اليتيم في الوقت نفسه من الانخراط في اعمال مريبة قد تؤذيه و مجتمعه، لذلك يقع على عاتق وسائل الاعلام اشاعة ثقافة كفالة الايتام ورعايتهم في المجتمع والتشجيع عليها.

IMN

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *