أخبار منوعة

أم كل الأنهار: كيف يجمع الفولغا روسيا المنقسمة ؟

     بالنسبة للعديد من الأجانب، سيمثل أكبر حدث عالمي لكرة القدم أول لقاءٍ بينهم وبين مدن نهر روسيا المختلفة، بعيداً عن شوارع موسكو وسان بطرسبرغ السياحية. من هذه المدن ما يتوزع على ضفتي نهر الفولغا الشهير، ذلك النهر الذي شهد أكثر المعارك دمويةً في كل العصور.. ستالينغراد.

وقارِبُ “ألكسندر نيفسكي” النهري هو عبارة عن آلة زمنية قاتمة تُقلُّ 196 راكباً، من بينهم محاربون قدامى متجهين إلى المدينة التي كانت تُسمَى ستالينغراد، وحالياً فولغوغراد، وبجوارهم سائحون سكارى. عبر نهر الفولغا يشق طريقه وكأنَّه منتجع سوفييتي عائم.

صُنِعَ القارب في ألمانيا الشرقية عام 1957 بإحدى شركات بناء السفن في مدينة فيسمار، التي أرسلت 49 قارباً نهرياً فاخراً لرفاقها الجدد على الناحية الأخرى من الكتلة الشرقية.

ولم يتغير الكثير على متن القارب منذ ذلك الحين.

صحيفة The Guardian نشرت تقريراً، الجمعة 1 يوينو/حزيران 2018، عبارة عن جولة في النهر الذي تستضيف 4 مدن تُجاوِره مباريات كأس العالم بعد أسبوعين.

مراكب قديمة وروائح طلاء ومِسك وليالٍ باردة

على قارب نيفسكي، يصدح الفنانون بأغانٍ شعبية سوفييتية، ويتشمس المسنّون فوق مقاعد مهلهلة. ويبدو القِدم على الغرف الأرخص الموجودة تحت السطح، وتنبعث منها رائحة المسك، وأحياناً الطلاء، وأبوابها مزينةً عادةً بشظايا زجاجٍ بلوري.

وفي الليالي الباردة، يسير الركاب الملفوفون بالبطانيات الصوفية في دوائر من مقدمة القارب إلى مؤخرته ثم إلى مقدمته مرة أخرى، بينما تمر مراكب المِلح والأخشاب في الظلام.

يقول فيكتور تشيكوفسكيك، وهو مسافر وبحّار سابق قاد قوارب نهرية عبر الفولغا مدة 25 عاماً: “لا يمكن لأي شخص أن يتحمل السفر هكذا بمكانٍ مغلق”. يقضي تشيكوفسكيك وقته في مقصورته الخاصة بالقارب في صنع نماذج لسفن الإمبراطورية الروسية، أو للناقلات التي أبحر شاباً على متنها في البحر الأسود.

من موسكو إلى بحر قزوين.. فولغا يوثّق التاريخ

خرجت العديد من القوارب النهرية مثل قارب “ألكسندر نيفسكي” من الخدمة منذ فترةٍ طويلة، ولكنَّه ما زال يبحر كل صيف في النهر العظيم البالغ طوله 3529 كيلومتراً. يتدفق نهر الفولغا المنحني من تلال فالداي بالقرب من موسكو إلى أستراخان ليصبَّ في بحر قزوين.

مدينة نيجني نوفغورود، التي كانت تُدعى سابقاً غوركي وكانت مغلقةً أمام الأجانب، و”مدينة الأبطال” فولغوغراد، ستالينغراد سابقاً، ستستضيفان مباريات إنكلترا. وتُجرَى مباريات أيضاً في قازان عاصمة تتارستان، وفي مدينة سامارا، مركز الصناعة الجوية حيث تُنتَج المقاتلات النفاثة والصواريخ الفضائية.

وكنهر الميسيسيبي في الولايات المتحدة، يربط الفولغا بين هذه المدن كلها، كخيطٍ يمر عبر منطقة الفولغا التي اجتذبت على مدى عقود، الفنانين والمستكشفين الباحثين عن روسيا الحقيقية بين مزارعيها وعمال سحب البوارج بها.

موسكو وسان بطرسبرغ تبنَّتا العولمة والتخطيط المعاصر، ولكن ماذا عن مدن روسيا الأخرى، قلب البلاد؟

مارغاريتا بتروفنا، هي إحدى الناجيات من حصار ألمانيا الشديد للفولغا عام 1942، كانت ترتدي سترة صوفية خلال عشاء من الإسباغيتي واللحم البقري في قاعة طعام قارب نيفسكي، قالت: “ينبغي لكل روسي أن يُبحر في نهر الفولغا مرةً واحدة على الأقل بحياته”.

كان نهر الفولغا هو حدود روسيا في الماضي مع شرق بلاد التتار. وبعد عدة قرون، سخَّر السوفييت النهر للصناعة في فترة ما بعد الحرب، من خلال بناء سلسلة من السدود.

كتب تولستوي قصصاً عن النهر، وقصده تشيخوف في رحلةٍ نهرية لقضاء شهر العسل.

الروائي والصحفي النمساوي اليهودي، جوزيف روث، لاحظ في عام 1926 كيف وجد المزارعون، الذين اقتحموا مقطورة الدرجة الأولى للسفينة بعد الثورة البلشفية، الأمر مربكاً.

عادوا في نهاية المطاف إلى أسفل السفينة باختيارهم. وفي النهاية، قفز “روث” أيضاً من السفينة، وانضم بدلاً من ذلك إلى عمال على متن عبَّارة.

أنا أيضاً كنتُ أبحر في زورق، بالطابق السفلي، حيثُ تقبع الطبقة الدنيا في الغالب. كان من المقرر أن تصل السفينة في يوم النصر، الذي يُحْيي ذكرى استسلام ألمانيا النازية.

البداية من قازان.. ومشهد من روسيا المسلمة

من مدينة قازان وعند الغسق، أبحر المركب بينما كانت مكبرات الصوت تبث أغنية “وداعاً سلافيانكا”، وهي لحنٌ عسكري. وفي الأفق، برزت في العتمة المنسحبة مآذن مسجد “قول شريف” البيضاء والزرقاء.

قبل أكثر من 500 عام، كانت قازان، عاصمة الخانية المسلمة، تنافس موسكو على النفوذ. وبعد 6 سنوات فقط من احتلال إيفان الرهيب لها عام 1552، وصل أنطوني جينكنسون، المستكشف وأول مبعوث إنكليزي إلى روسيا، حاملاً رسائل تعريف من القيصر.

وكتب إلى شركة Muscovy: “لقد كانت مدينة مليئة بالخيرات والثروات العظيمة، وكانت بين يدي التتار مملكةً في حد ذاتها، وأزعجت الروس في حروبها أكثر من أي أمةٍ أخرى. ولكن بعد 6 سنواتٍ من غزو هذا الإمبراطور الروسي لها، وأَسر ملكها الذي لم يكن سوى شاب يافع، يجري تعميده الآن…”.

محاولات لطمس الهوية التتارية ومعارضة بلا صراع

ما يزال الجدال حول الهوية الدينية والعرقية في قازان مستمراً حتى يومنا هذا. تروج الدولة لإسلامٍ رسمي موالٍ للنظام تحت مراقبة لجنة دينية. ودفعت موسكو قازان إلى تقليص دروس اللغة التتارية في المدرسة، ما أغضب النشطاء المحليين، لكنَّهم يتجنبون أي صراعٍ مفتوح.

وتقول روزالينا شاغيفا، وهي شاعرة ومتخصصة بتاريخ الفن تكتب باللغتين الروسية والتتارية: “لا يتعلق الأمر بالخروج على روسيا، ولكنَّه القتال ضد الجمود، والنضال من أجل ثقافتنا باعتبارها ثقافة موازية. مَن سنكون من دون لغتنا؟”.

حي سلوبودا التتاري القديم، حيثُ استقر التتار في القرن السادس عشر بعد طردهم من المدينة الداخلية، يُعَدُّ في الوقت الحالي متحفاً أكثر منه مدينةً حية. وفي وسطه يوجد مسجد المركني، الذي استفاد من سخاء الدولة منذ أن وافقت الإمبراطورة كاترين العظيمة على بنائه عام 1766، مخالفةً بذلك تقاليد استمرت قرنين. كان أول مسجد حجري بالمدينة، وهو الوحيد الذي بقي مفتوحاً في عهد الاتحاد السوفييتي.

وإمام المسجد: “كيف يمكنك فصل الناس عن حكومتهم؟ هذا حرام”

الإمام منصور حضرت جلال الدين بيّن في جولةٍ، ما يضمه المسجد من قاعات الطعام وروضة الأطفال، حيثُ يتلو الأطفال آياتٍ قرآنية من الذاكرة، ومتجر الأعراس، حيثُ توجد فساتين محتشمة مُزيَّنة بزهور الدانتيل. وكذلك كتيب سياحي لمدينة قازان ذات الأطعمة الحلال، ووكالة سفر سياحية، ومجمع فندقي، ومتجر للهدايا التذكارية، ومنحل في الغابة.

بالنسبة لجلال الدين، العلاقة بين الدين والدولة فطرية. وهي شراكة تتضح من صور فلاديمير بوتين ومسؤولين آخرين معلَّقة على جدار غرفته.

وقال: “نعم، ينص الدستور على أنَّ الدين منفصل عن الدولة، لكنَّ شعبنا مؤمن”. وأضاف أنَّه خلال عهد الشيوعية، كان الناس يؤمنون بالحزب. وعندما انتهى ذلك، جاء بهم إيمانهم إلى المساجد. وتابع: “كيف يمكنك فصل الناس عن حكومتهم؟ هذا حرام”.

أما على الجانب الآخر من المدينة، يمتلك مسجد ميرغازيان تاريخاً أكثر مرارة: فقد صادرته الشرطة في عام 2013 بعدما وُجِّهَت تهمة التطرف إلى إمامٍ سابق.

اختار الإمام الأول موقعه بعدما حلم بزوجته فسمَّاه “الإخلاص”

بُني المسجد من غرفة عمليات تابعة للجيش السوفييتي، وصُممَت مئذنته من مدخنة من الطوب طولها 22 متراً. اختار مؤسِّسه ميرغازيان سالافاتوف الموقع بعد أن ظهرت له زوجته المُتوفاة في حلم، وردَّدت “111″ حتى استيقظ. وفسَّر ذلك على أنَّه عنوان الشارع الذي ينبغي أن يقيم به المسجد، الذي سماه “الإخلاص”. وافتُتِحَ في عام 2004.

ترعرع الإمام الحالي، أزغار حضرت فاليولين، في ريف تتارستان، وكان يعمل دائماً بيديه.

أصلح المئذنة بنفسه، متسلقاً 22 متراً، مدعِّماً الطوب المرصوص في صفين بالأسمنت. وكان هناك ذات جمعة في عام 2006 عندما جاء سلافاتوف إليه وطلب منه “حماية المسجد”. وفي اليوم التالي، مات سلافاتوف جرَّاء سكتةٍ دماغية وفقاً لأزغار.

والدولة تراقبه خوفاً من “الدعوة للخلافة الإسلامية”

في عام 2013، نُقلَت إدارة المسجد إلى الدولة. واتهمت الأجهزة عشرات المصلين بالانضمام إلى حزب التحرير الإسلامي، وهو حركة سياسية سُنية تدعو إلى إقامة خلافةٍ إسلامية. الحركة محظورة في روسيا، لكنَّ أنصارها يقولون إنَّهم مسالمون.

وصُنّف المسجد على أنَّه غير آمن، وهُدمَت مئذنته. ثم أعيد بناؤها تحت اسمٍ مختلف.

يهز فاليولين رأسه عندما يذكر الاعتقالات. وينفي وجود علاقةٍ بينه وبين الحركة المحظورة، ويقول إنَّه يعتقد أنَّ بعض الشبان أُسيئت معاملتهم داخل السجن.

أما بالنسبة إلى المئذنة، فتنهَّد قائلاً: “هدموها من دون سبب”.

المحطة الثانية: سامارا.. المدينة التي انغلقت على نفسها

أبحر قارب “ألكسندر نيفسكي” طوال الليل، ووصل إلى السد المحاذي لجبال تشيغولي في اليوم التالي. وهو واحد من 8 منظومات كهرومائية في أنظمة شلالات الفولغا، التي تمتد من مدينة دوبنا شمال موسكو وصولاً إلى فولغوغراد. ولسنواتٍ قليلة بعد عام 1961، كانت محطة توليد الطاقة الكهرومائية في فولغا هي الأكبر بالعالم.

وكتب الصحفي بروس تشاتوين، الذي أبحر بالنهر مع المحاربين القدامي الألمان وأرامل الحرب في عام 1982، لصالح صحيفة The Observer البريطانية، أنَّ السدود “حولت أم الأنهار إلى سلسلة من البحار الداخلية الراكدة، لونها كالعسل الأسود”.

لكن داخل تلك السدود العظيمة، تشهد لحظةً مهيبة عندما تنفتح الأبواب المعدنية لتكشف عن تلالٍ تتخللها أشجار التنوب والصنوبر، أو قرية صغيرة على ضفاف النهر، كصورةٍ يؤطرها الصدأ. على أحد جدران السد نقش شخص: “لن ننساك يا بيتيا سافكين …”. وتوجد المزيد من النقوشات، ولكنَّ حركة المياه اليومية مَحَتْها.

كانت مدينة ثريّة، والآن تختبئ خلف السدود

في ذروة سامارا، أي منذٍ قرن مضى، جعلها التجار المحليون غنيةً من تجارة الحبوب، وكان معدل نمو المدينة يقترب من معدل شيكاغو.

بنى الأثرياء الجدد لأنفسهم منازل خشبية مزخرفة، وقصوراً على طراز العمارة الحديثة بواجهاتٍ غير متناظرة وزخرفاتٍ فراشية، وهو ما كان يختلف عن رتابة معظم مدن عهد الاتحاد السوفييتي.

وخلال الحرب العالمية الثانية، كانت سامارا تُعرف باسم كويبيشيف على اسم ثوري سوفييتي، واستضافت لفترةٍ وجيزة مقرات الحكومة السوفييتية والسفارات الأجنبية؛ إذ كانت عاصمةً بديلة لموسكو. وبعد الحرب، أغلقت المدينة أبوابها أمام الأجانب لتكون قاعدةً للصناعة الجوية.

و”الناس لا يقدِّرون قيمتها ويتحدثون عن أوروبا”

ويقول أندري كوتشتكوف، الصحفي والناشط المحلي، إنَّه يوجد نحو 140 مبنى في وسط المدينة، من بينها مبانٍ تاريخية خشبية فقط أو من الطوب والخشب معاً. ومع تزايد اهتمام المطورين العقاريين بعقارات وسط المدينة القيِّمة، تزايدت كذلك المحاولات الشعبية لوقف مصادرة المنازل الخشبية أو إحراقها في هجماتٍ مُتعمَّدة.

وقال كوتشتكوف خلال جولةٍ في المدينة: “الناس لا يقدّرون قيمتها. إنَّهم يتحدثون عن أوروبا، ولكنهم لا يدركون ماذا يوجد حولهم”.

أسس كوتشتكوف مهرجان توم سوير، وهو مهرجان تطوعي سنوي لترميم المنازل المتشققة. صحيحٌ أنَّها ما زالت في عامها الرابع، ولكن شهرة الحركة في ازدياد. ولا توجد غير قاعدة واحدة، وهي أنَّه لا يمكن للسياسيين الاستفادة منه في دعايتهم.

في ذلك المساء، غابت الشمس من فوق نهر الفولغا، وأصبحت السماء أرجوانيةً متلألئة. وزُيِّنَ شارع كويبيشيف، وهو الشارع الرئيسي بالمدينة، في حين ستُغلَق طرق المنطقة الصناعية الأقل جمالاً في كأس العالم.

تُعَد سامارا غريبةً بين باقي مدن الفولغا؛ إذ لا يربط بينها وبين الجانب الآخر جسر، وما زالت الجزيرة المقابلة في حالتها الأصلية على الأرجح.

وسكانها ينتظرون الأميركيين

يستغرق الوصول إلى الجانب الآخر بالسيارة 3 ساعات. وفي دير “أم الرب المقدسة” بقازان، على الضفة المقابلة من النهر، التقينا راهباً عابساً. قال: “أنا في انتظار البندوسي (وهو لفظٌ مهين يُقصَد به الأميركيون)”.

يتولى كل راهب بعض الواجبات. وديمتري فوسكريسنسكي، وهو رجلٌ صارم لكن لديه حس فكاهي، يتولى مهمة تربية سمك الحفش.

يتذكر فوسكريسنسكي: “عندما باركني الأب قال: (ديميتري، وظيفتك هي السمك)، لم يكن لدي أي فكرة عما كان يتحدث”.

وُلد فوسكريسنسكي في جبال الأورال، وأدَّى خدمته العسكرية في مستودعات صواريخ بالدائرة القطبية الشمالية قبل أن يصبح راهباً. وعندما سُئِل عن سبب ذلك، قال: “هذا بيني وبين الآب”.

وقال إنَّ الدير، الذي تأسس في عام 2006 بالقرب من قريةٍ على ضفة النهر، يتمتع بجوٍ متساهل، وينبغي عزله عن العالم الخارجي.

وأضاف أنَّ القرويين يأتون دون دعوة، و”أحياناً دون ملابس”.

في المخزن، يربي فوسكريسنسكي أحواضاً كاملة من سمك الحفش الروسي، والأوروبي، والألماني. ما تزال عمليةً بسيطة، لكنَّه بناها من الصفر، وتعلَّم من خلال التجربة والخطأ بناء أنظمة الضخ وفهم أساسيات الأحياء البحرية بهدف زراعة الأسماك والبطارخ. وقال إنَّ المزرعة السمكية بدأت للتو في تحقيق الاكتفاء الذاتي وإنتاج الكافيار. والخطوة التالية هي زيادة الإنتاج بشكلٍ كبير.

كان نهر الفولغا يعج بسمك الحفش ذات مرة، لكنَّ سلسلة السدود التي بناها السوفييت منعت الأسماك من الوصول لأراضي التفريخ التقليدية. وقدَّر الاتحاد العالمي للحياة البرية أنَّ 85% من أراضي التفريخ “فقدت قيمتها بالكامل”. وأدى التلوث والصيد الجائر إلى استنزاف المخزون.

ويقول فوسكريسنسكي إنَّ هدفه النهائي هو إعادة ملء نهر الفولغا. ويقدر أنَّه مع نموٍ سنوي معقول، سيستغرق ذلك نحو 500 سنة.

المحطة الثالثة: فولغوغراد.. الحنين إلى ستالين يتزايد

كانت الشوارع فارغة في فولغوغراد صباح موكب يوم النصر.

كان الطقس أدفأ على متن القارب في الليلة السابقة عندما وصل أخيراً إلى فولغوغراد. وكانت الحانة مزدحمة. عزف مراهقان لحناً لستيفي وندر على الغيتار، وقام رجل أعمال من موسكو مترنحاً وقال: “أريد أن أعطيكما نقوداً”، ممسكاً بيده 2000 روبل. قبِلها المغني، وهو الفتي الهزيل بين الشابين، أما الآخر فنظر مرتعباً.

فولغوغراد نفسها هي مدينة متربة في منطقة السهوب العظيمة، تمتد لأميال على شكل موزة حول نهر الفولغا المنحني. وأينما كنتَ بالمدينة، من الصعب نسيان تراثها في زمن الحرب: فنحو 1.9 مليون شخص انتهى بهم الحال بين قتيل أو جريح أو أسير في أكثر المعارك دمويةً بكل العصور.

تحت الملاعب بقايا قذائف وجثث جنود المعركة الأشهَر

في جولةٍ على استاد المدينة الجديد الذي ستُلعب فوقه مباريات كأس العالم خلال يونيو/حزيران 2018، قال سيرجي كامين مدير البناء، إنَّ العمال عثروا على بقايا 386 قذيفة وجنديَّين سوفييتيَّين في موقع البناء.

تبين أنَّ عرض فولغوغراد أبسط من عرض موسكو. لم تظهر أي صواريخ باليستية عابرة للقارات بالساحة، وكانت المتعة الوحيدة في المذيع الذي لفَّ لسانه عند نطق حرف الراء وقتاً طويلاً بينما كان يُقدِّم قاذفة الصواريخ المتعددة “تورنيدو”، التي مرت بفندق إنتوريست إلى ساحة المقاتلين الشهداء.

جاء العرض الحقيقي بعد ذلك؛ إذ صعد عشرات الآلاف فوق تلة ماماييف كورغان متجهين نحو تمثال “الوطن الأم ينادي”، الذي يبلغ طوله 85 متراً. أعطى انحدار التلة الانطباع بأنَّ الحشد كان متوازناً على القمة. وأبعد المرشدون الأطفال عن العشب، حيث يكمن جزءٌ من مقبرةٍ جماعية للجنود الذين لقوا حتفهم فوق التل.

كتب تشاتوين عن التل في عام 1982: “كان الجو غريباً ودينياً: من السهل جداً السخرية منه؛ لكنَّ الحشود، مع تعبيراتهم الموقرة والمستغرقة، لم يكونوا محل سخرية”.

والقليل تغير اليوم.

تصعد فاليريا بتروفنا (68 عاماً)، التي لم تذكر اسمها كاملاً، التل كل سنة مع موكبٍ ديني لتكريم والدها. نجا من المعركة، لكنَّه لم يرجع لطبيعته مرةً أخرى، وانعزل في سنواته الأخيرة. قالت: “أمي تقول إنَّه مات هنا. لكنَّني أعلم أنَّه كان على قيد الحياة… مع إدراكي القسوة التي يمكن أن يلحقها الناس ببعضهم”.

خارتشينكو قائد العصابة: “ماذا أراد ستالين لبلاده؟ النهضة”

للوصول إلى ورشة فلاديمير خارتشينكو للدراجات النارية التجريبية في هذا الوقت، عليك القيادة شمالاً إلى مصنع T-34 القديم، ثم عبر سد فولغوغراد الكبير، ثم إلى حي مصانع هادئ.

إذا كنتَ محظوظاً هناك، فسوف يُخرِج دراجته النارية الثمينة؛ بل وسيأخذ لفةً حول المنطقة، ويختصر الزحام والطرق المليئة بالحفر. إنَّها الدراجة نفسها التي صنعها خصيصاً للشخص المعروف بـ”الجراح”، وهو قائد عصابة دراجات نارية مشهور تعهَّد بالولاء لفلاديمير بوتين، وقاد الدراجة النارية بمدينة سيفاستوبول الأوكرانية التي ضمتها روسيا في عام 2015.

اسم الدراجة هو “الستاليني”، وتجده مكتوباً فوق المحرك مباشرةً.

في مكتبه، جلس خارتشينكو تحت صورةٍ لستالين قيل له إنَّها نسخةٌ أصلية. وقال: “كانت هذه البلاد مكتفيةً ذاتياً في عهد ستالين، كنا مستقلين”. وعندما سُئِلَ عن جرائم القتل والقمع التي ارتكبها، قال إنَّ الدول الغربية ليست أفضل حالاً: “ماذا أراد ستالين لبلاده؟ نهضة البلاد. ومن الذي انتهى به المطاف في سجن الغولاغ؟ الناس الذين عارضوا ذلك”.

واسم ستالينغراد مسموح به 6 أيام في السنة فقط

لمدة 6 أيام في السنة، يجوز قانوناً تسمية فولغوغراد باسمها في زمن الحرب: ستالينغراد. الحنين إلى اسم ستالين ينمو أيضاً؛ إذ وجد مركز بيو للأبحاث العام الماضي (2017)، أنَّ 58% من البالغين الروس يرون أنَّ دور ستالين في التاريخ كان إيجابياً.

وقال مرة لمراسل: “في هذه الأيام تحتاج إلى كتابة كلامٍ سيئ عن ستالين، وتحتاج إلى كتابة أشياء سيئة عن بوتين، وأن تعرض ذلك في أوروبا. لكنَّني أعتقد أنَّه طالما يسوء حال الولايات المتحدة، فإنك سترى أنَّ ستالين أصبح أكثر شعبية”.

لكن فاليريا بتروفنا لها رأيٌ مختلف: “أعتقد أنَّنا اكتفينا مما حدث وقتها، ولا أرى سبباً كبيراً للعودة”، واستأذنتْ لاستكمال صعودها لأعلى التل.

سيستغرق قارب نيفسكي ما يقرب من 3 أيام ليبحر ضد التيار نحو مدينة قازان، حيث سيتوقف 5 ساعات فقط في سامارا ليرتاح الركاب. ويقول تشيكوفسكي، قبطان القارب، إنَّ أطول الرحلات بنهر الفولغا يمكن أن تستغرق 3 أسابيع، وبعض الركاب يفضلون البقاء على متن القارب طوال الوقت بدلاً من التجول في المدن التي يمرون بها.

على السطح الخلفي في إحدى الأمسيات، كان اثنان من الأزواج بمنتصف العمر في غاية الثمالة يناقشان تعقيدات الإسلام، وخاصةً الختان. يمتلك ميخائيل، (47 عاماً)، بضع ورش تصليح في سامارا، وذهب كثيراً في رحلات عبر نهر الفولغا إلى موسكو وأستراخان. وأعلن بفخر: “أنا لا أسافر أبداً إلى أوروبا، وبالكاد إلى موسكو إذا لم أستطع تفاديها”.

ثم غمر يده في المياه ومدح الفولغا وقازان.

“لا يوجد مكان آخر في روسيا مثلها. بالطبع، نحن مختلفون عنهم من بعض النواحي مثل الدين، لكن هل يمكنك زيارة تلك المدينة حقاً دون أن تكون فخوراً بالتاريخ والقدر الذي جمع بينك وبينها؟”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *