مال و أعمال

من تبادل السلع إلى البيتكوين.. المقايضة تعود في صورتها الافتراضية بعد 9000 آلاف سنة

      قطعة معدنية لامعة، أو ورقة ملونة عليها رسم تاريخي.. لا تعني شيئاً ولا قيمة لها بحد ذاتها، إلا عندما تصبح قابلة لمبادلتها بأشياء نحتاجها.. حينئذ يصبح لها فعل السحر.. فلا أحد يرفض إغراءها.

إنه المال، أو النقود التي تمثل جزءاً لا يتجزأ من تاريخنا الإنساني على مدار أكثر من 9000 عام. قال عنها الحكماء في القدم: يا مال، الدنيا أنت، والناس حيث كنت، سخرت من قارون، وسعّرت النار يا نيرون، تعود الحقد أن يحالفك، وأَبَى الحسد أن يخالفك، حالك وحال الناس عجب: تملكهم من المهد، ويقولون أصبنا وملكنا؛ وترثهم عند اللحد، ويقولون ورثنا وتركنا!

إلا أن النقود مرَّت بالكثير من المراحل التاريخية قبل أن تصل لصورتها الحالية بداية من المقايضة وحتى عملة الكريبتو والعملات الورقية، وصولاً لسبل الدفع الإلكترونية، وانتهاءً بالبيتكوين والعملات الافتراضية الأخرى.

في البدء كانت المقايضة

عرف الناس المقايضة منذ حوالي 9000 عام قبل الميلاد، وكان أول من عرفها المصريون القدماء، وما زالت تستخدم حتى يومنا هذا في بعض أرجاء العالم. كان الناس قديماً يتبادلون الماشية والأغنام والخضراوات والحبوب، ومختلف الأدوات والملابس والسلع والخدمات؛ فيمكن لأحدهم أن يقايض جلد حيوان ثمين مقابل فأس على سبيل المثال.

إلا أن من عيوب هذه الطريقة أنها كانت تستهلك وقتاً، ويمكن أن تكون عملية المقايضة غير مرضية للطرفين، لصعوبة إقناع الطرف الآخر. ومع تطور الزراعة، صار من المعتاد استخدام الحبوب في عمليات المقايضة، فأنشأ السومريون المخازن، ووضعوا أنظمة محاسبية متطورة لضمان إجراء تبادلات عادلة.

الصين.. النماذج المصغرة كعملات

لإسراع المعاملات التجارية تحوَّلت المقايضة إلى ما يشبه العملات البدائية، حيث تم استخدام جلود الحيوانات والأسلحة والملح كسلع معيارية أو عملات، لكن كانت هناك بعض الصعوبات في الاتفاق على قيمة هذه العملات، فضلاً عن صعوبة حملها.

وفيما كان الناس على طول المناطق الساحلية بالمحيط الهندي في شرق آسيا وإفريقيا يستخدمون المحار والقواقع والخرز في التجارة، وذلك نحو 1200 سنة قبل الميلاد، بدأ الصينيون استخدام نماذج مصغرة من الأدوات والبضائع صنعت من البرونز. إلا أن الطابع الحاد لهذه الأدوات جعل أيضاً من الصعب تداولها بسهولة، فاستبدلت بعملات شبه مستديرة، وذلك قرابة عام 1100 قبل الميلاد.

ورغم أن الصين كانت أول بلد تستخدم تلك “العملات” المعدنية، فإن أول عملة تم سكّها في منطقة لا تبعد كثيراً عن الصين هي “ليديا”، غربي تركيا.

الإلكتروم.. أول عملة رسمية عرفها التاريخ

في عام 600 قبل الميلاد، صُنعت أول عملة رسمية من الإلكتروم، وهو خليط من معدني الفضة والذهب، بأمر من إلياتس ملك ليديا، وكانت تحمل صورة أسد يزأر. وصدرت بأوزان قياسية تتراوح من حوالي 0.15 غرام وحتى 14 غراماً.

وكان لهذه العملة دور في جعل مملكة ليديا من أغنى إمبراطوريات آسيا الصغرى آنذاك، على طول البحر المتوسط، وانتشر استخدامها في المدن اليونانية كذلك.

أما في مصر وبلاد ما بين النهرين فكان من المعتاد استخدام قضبان الذهب ذات الأوزان القياسية منذ حوالي 3000 عام قبل الميلاد.

أول عملة ورقية.. صينية

 في العام 1250 قبل الميلاد أنتج الأوربيون عملة الفلورين، المصنوعة في فلورنسا بإيطاليا، وساهمت في ازدهار التجارة الخارجية للبلاد، واستمر الأوروبيون في استخدام العملات المعدنية حتى عام 1600، فلم يعرفوا العملات الورقية حتى وقت لاحق، ومع رحلات الرحالة أمثال الشهير ماركو بولو إلى الصين، الذي نقل فكرة العملات الورقية من الصين  إلى الأوروبيين.

فقد كانت الصين أول من ودَّع العملات المعدنية، في التاريخ، حيث استبدلتها بأول عملات ورقية في التاريخ، مصنوعة من مواد مثل القنب والكتان والخيزران ولحاء التوت، لتكون أخف وزناً، وبديلاً، وسهلة النقل بين البلاد في التجارة الخارجية.

وفي مقابل عبارة “نثق في الرب” المكتوبة على الدولار الأميركي، كتب الصينيون عند اختراع أول عملة ورقية”، “سيتم قطع رأس كل المزوّرين”!

لكن لم تكن أوروبا تمتلك المواد التي تصنع منها الورق النقدي، فكان إنشاء أول مصنع للورق بواسطة المغاربة في إسبانيا، في حوالي عام 1150.

ومع الوقت وبحلول عام 1661، بدأت أنظمة البنوك، وكانت بدايتها في السويد، تقبل إيداع العملات المعدنية الثمينة، وكانت تقدم إيصالات مقابل الودائع بالعملات، بهدف تقليل عمليات سرقة العملات المعدنية التي كان يتم السطو عليها أثناء الرحلات التجارية. وقد أسهم ذلك في ازدهار التجارة الدولية  بأوروبا، ومن ثم بدأ السوق الأول للعملات، حيث كان يتم تبادل العملات الخاصة بالدول المختلفة.

إلا أن بعدها انطلقت حرب العملات، حيث كانت الدول المتنافسة تحاول خفض قيمة عملة بعضها البعض، بجعل سعر منتجاتها وسلعها باهظاً للغاية، وتقليل القوة الشرائية لها.

وسائل إلكترونية للمعاملات المالية

في عام 1860، ظهرت أول وسيلة لنقل الأموال عبر البرقيات في المجتمع الغربي، بتعاون من رواد الصناعة آنذاك. وفي عام 1946 ظهرت أول بطاقة ائتمانية اخترعها جون بيجينز، حملت اسم “Charge It”. ومع نهاية القرن العشرين بدأت البنوك الأوروبية في الإعلان عن خدمات بنكية عن طريق الهاتف.

أما في القرن الحادي والعشرين، فقد ظهرت صور مختلفة للعملات، وصار بالإمكان الدفع عن طريق الهاتف المحمول أو بطاقات الائتمان عبر الإنترنت، وغيرها.

البيتكوين أول عملة افتراضية

هي آخر عنقود العملات.. فقد ظهرت في عام 2009 العملة الافتراضية المعروفة بـ”البيتكوين”، التي اخترعها ساتوشي ناكاموتو، وهو شخصية غامضة لم يتم التوصل إلى حقيقتها حتى الآن.

وتتميز تلك العملة بأنها لا تدار بواسطة الحكومة مثل العملات التقليدية، لكنها تدار بواسطة سلطة لا مركزية، حيث يتم إنتاجها رقمياً، ويمكن لأي شخص المشاركة في عملية الإنتاج فيما يسمى بعملية التعدين.

ويمكن استبدال البيتكوين بعملات أو منتجات أو أي خدمات أخرى، وهي توفر رسوم معاملات أقل بكثير من نظيراتها في طرق الدفع الأخرى، بالإضافة إلى السرعة في نقل الأموال.

فمع حلول عام 2015، اعتمد أكتر من 100 ألف تاجر وبائع البيتكوين كعملة للدفع.

إلا أنه مع التغير السريع والضغوط لجعل المعاملات المالية والتجارية أسرع وأكثر فاعلية، فمن المتوقع أن تغير التكنولوجيا الطريقة التي نتعامل بها مع المال، فيمكن في المستقبل أن تجري معاملاتك المالية عن طريق جهاز ترتديه في معصم يدك، أو رمشة من عينك.. من يدري!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *