الأسرة والطفل

حساسية الطعام تُضعِف وظائف الدماغ والنموّ العصبي.. التوحُّد تحت الميكروسكوب

      تنظر إلى عينيه، فلا يبادلك النظر، ولا حتى الابتسامة، ولا يرغب في أن تحمله أمُّه ككلّ الأطفال، يتأخر بالكلام، ولكنه يُظهر نبوغاً في المهارات اليدوية. إذا ظهرت هذه الأعراض، قد تكون مؤشراً أن طفلك يعاني من مرض التوحّد.

ليس هناك سبب واحد معروف لمرض التوحّد Autism، ولكن من المتعارف عليه أنه ناتج عن خللٍ في بنية الدماغ أو وظيفته؛ وقد يكون هذا الخلل ناتجاً عن أسباب مرتبطة بالولادة أو أسباب جينية أو بيولوجية أو دماغية، وكذلك قد تكون العوامل المناعية وراء التوحّد.

ووفقاً لما أفادت به الكثير من الأبحاث التي أجريت مؤخراً، يمكن للحساسية أن تكون محفزاً للإصابة بمرض التوحّد، حسب ما ورد في تقريرٍ لصحيفة Daily Mail البريطانية.

يظهر في السنوات الثلاث الأولى

التوحُّد هو اضطراب يُلاحَظ على الطفل عادةً منذ الطفولة الباكرة، ويؤثر على نموّه وتطوّره، وهو يصيب الصبيان 3-4 مرات أكثر من الفتيات.

ويظهر التطوّر غير الطبيعي أو القاصر على الطفل قبل سن الثالثة، مع خلل وظيفي في التفاعل الاجتماعي المتبادل وفي التواصل؛ بالإضافة إلى سلوكيات نمطية تكرارية محدودة.

جمعية التوحّديين في الولايات المتحدة الأميركية تعرّف مرض التوحّد على أنه عجز تطوري معقّد، يظهر خلال السنوات الثلاث الأولى من العمر، وهو نتيجة اضطراب ٍعصبي يؤثر في وظيفة الدماغ الطبيعية، وفي مجالات التفاعل الاجتماعي ومهارات التواصل.

اختلال نظام المناعة يزيد من خطر التوحّد

دراسة، شملت حوالي 200 ألف طفل، وجدت أن المصابين بطيف التوحّد كانوا أكثر عرضة لحساسية الطعام، بمقدار مرتين ونصف أكثر من غيرهم.

ويضاف هذا الاكتشاف إلى مجموعة متزايدة من الأدلة، التي تفيد بأن اختلال نظام المناعة يزيد من خطر حدوث اضطرابات طيف التوحّد (ASD).

وتعتبر هذه الدراسة، التي أجرتها جامعة آيوا الأميركية، واحدة من الدراسات القلائل التي تعنى بالحساسية الغذائية، بالإضافة إلى تفاعلات الجلد والجهاز التنفسي؛ وأدَّت لتعزيز الاعتقاد السائد بوجود علاقة بين التوحّد والحساسية.

واستناداً إلى النتائج الجديدة التي توصّل إليها، قال الأخصائي في علم الأوبئة بجامعة آيوا، والمشرف على هذه الدراسة، الدكتور واي باو، إنه “من الممكن أن تظهر العمليات المسؤولة عن خلق الاضطرابات المناعية في وقت مبكر من حياة الإنسان، وتؤثر بعد ذلك على نموّ الدماغ والأداء الاجتماعي، وهو ما يؤدي إلى تطور إمكانية الإصابة بطيف التوحّد”.

الدراسة حلّلت المعلومات الصحية التي جمعتها الدراسة الاستقصائية الوطنية للصحة، وهي دراسة استقصائية تقام بشكل سنوي، وتتعلق بالظروف الصحية للأسر الأميركية (NHIS)، وتجريها مراكز مكافحة الأمراض واتقائها.

وربما كانت له علاقة مع حساسية الطعام

وبين سنة 1997 وسنة 2016، عمد الباحثون إلى الاطلاع على بيانات الأطفال، الذين تتراوح أعمارهم بين الثالثة والسابعة عشرة، ليتوصلوا إلى استنتاج مفاده أن 11.25% من الأطفال الذين تمّ تشخيصهم بأنهم مصابون بالتوحّد يعانون من حساسية تجاه طعام ما، أي 4.25% أكثر من الأطفال الذين لا يعانون أي حساسية.

استندت النتائج المتوصل إليها على ملاحظات الباحثين، وكانت مبنية فقط على نتائج المسح، وهو ما منع فريق الدكتور باو من إثبات ما إذا كانت حساسية الطعام تسبب التوحّد بشكل قطعي أم لا.

وقد اقترحت الدراسات السابقة وجود روابط محتملة بين الطرفين، ويشمل ذلك تبين التغييرات على مستوى البكتيريا المعوية، وزيادة إنتاج الأجسام المضادة، وردود الفعل العنيفة من قبل الجهاز المناعي.

يمكن لحساسية الطعام أن تؤدي إلى ضعف وظائف الدماغ وتشوهات على مستوى النمو العصبي. ويعتبر طفل من بين كل 59 طفلاً مصاباً بالتوحّد، في حين أن الأرقام تتزايد خلال السنوات الأخيرة. وعلى الرغم من التقدّم الذي أحرزته الدراسات التي تُعنى بالبحث بشأن هذا الاضطراب، لا يزال السبب الرئيسي للإصابة بالتوحّد أمراً مستعصياً على العلماء.

ولكن حتى الآن، تربط التفسيرات الأكثر عقلانية بين التوحّد وبين عدم التوازن على مستوى الجهاز المناعي.

هناك تفسير علمي لهذه العلاقة المُحتملة

لدى الأشخاص الطبيعيين، يجب أن يتدنّى مستوى الاستجابة الالتهابية للجهاز المناعي إزاء مسبّبات الأمراض بسرعة، بمجرّد انتهائها من التعامل معها.

لكن الأمر مختلف لدى الأشخاص المصابين بالتوحّد، حيث يصابون بالالتهابات بصفة متكرّرة وبشكل مستمر. وأدى هذا الاكتشاف إلى دفع العلماء للاعتقاد بأن التوحّد هو دلالة على نوع من اضطراب المناعة الذاتية.

وسيتسنَّى للعلماء معالجة هذا الخلل، حيث يحقق كبار الباحثين، على غرار الدكتور باو، في العلاقة بين التوحّد وتفاعلات الحساسية على مستوى الجهاز التنفسي والبشرة، أو المتعلقة بالطعام.

غير أن هذه الروابط تستوجب المزيد من التحقيق، حسب  الدكتور باو، الذي نشرت أبحاثه في صحيفة JAMA Network Open العلمية الرقمية، أن هذه الروابط تستوجب المزيد من التحقيق.

واستطرد باو، قائلاً: “نحن لا نعرف أيّهما يأتي أولاً، حساسية الطعام أو اضطراب طيف التوحّد”، مشدّداً على الحاجة الملحة لإجراء المزيد من الدراسات على الأطفال حديثي الولادة، على أن تمتد لسنوات طويلة بعد ذلك، بهدف التوصل إلى إجابة لهذا التساؤل.

أنواع أخرى من الحساسية ترتبط بالتوحد

لطالما ركزت الأبحاث السابقة، التي تتمحور حول ارتباط الحالات التحسسية بطيف التوحّد، على حساسية الجهاز التنفسي والبشرة، مثل الإكزيما والربو. ولكن كانت هذه الأبحاث غير متناسقة وغير حاسمة.

وجدت الدراسة الأخيرة أن 18.73% من المصابين بالتوحّد يعانون من حساسية على مستوى الجهاز التنفسي، في حين تبلغ هذه النسبة 12.08% لدى الأطفال العاديين. ويعاني حوالي 16.81% من الأطفال المصابين بالتوحّد من حساسية الجلد، وهو ما يعتبر نسبة أعلى بكثير مقارنة بنحو 9.84% من الأطفال غير المصابين بالتوحّد.

ويرى الدكتور باو أن هذه المعطيات تدلّ على إمكانية وجود آليات مشتركة، تربط أنواعاً مختلفة من الحساسيات مع اضطراب طيف التوحّد.

ويقول “من خلال العمل على عينة تمثيلية لأطفال الولايات المتحدة على المستوى الوطني، وجدنا ارتباطاً مهماً وإيجابياً بين حساسية الطعام والجلد والجهاز التنفسي، وبين اضطراب طيف التوحّد. وظلّ هذا الارتباط قائماً بعد إجراء تعديلات على المتغيرات الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية، وغيرها من المعطيات المتصلة بأنواع الحالات التحسسية”.

وحول الطعام تبدو المبرّرات كافية

العلاقة بين حساسية الطعام واضطراب طيف التوحّد كانت بارزة في جميع المجموعات الفرعية، المصنّفة حسب الفئات العمرية، ونوع الجنس والطوائف والأعراق، وفقاً لما ذكر الدكتور باو.

وأوضح علم الأوبئة أن هناك مبررات كافية لإجراء المزيد من التحقيقات، من أجل توضيح العلاقة بين حساسية الطعام (وهي أحد أكثر أنواع الحساسية انتشاراً) وطيف التوحّد.

وفي الولايات المتحدة على سبيل المثال، يعاني طفل من بين 13 طفلاً من حساسية الطعام، في حين تزداد هذه الحساسية شيوعاً مع حالات التوحّد.

غير أن النظام الغذائي لا يكفي وحده

على مدى 20 سنة، اشتبه العلماء في ارتباط التوحّد بالحساسية، ممّا دفع البعض إلى بناء آمالهم، على فكرة أن التخلّص من المهيّجات التي تسبّب الحساسية قد يساهم في القضاء على التوحّد أيضاً.

اكتشفت دراسة، أجريت قبل عقدين، أن الأطفال المصابين بالتوحّد – لاسيما أولئك الذين أصيبوا به في وقت متأخر – استجابوا بشكلٍ جيد للعلاج، عندما اتّبعوا حمية غذائية تتضمن مستويات منخفضة من القمح والحليب، والمنتجات الأخرى المسبّبة للحساسية. لكن الخبراء أكدوا أنه من غير المرجح أن يمثل الطعام علاجاً للتوحد، وإلى حين التمكّن من فهم أسبابه بشكل أوضح، لا يمكن لعائلات المرضى سوى التعامل مع أعراضه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *