سياسة

تسريبات جديدة للعتيبة تكشف كيف تدخلت الإمارات لتعيين أصدقائها في المناصب الحساسة بالإدارة الأميركية.. وما سر غضب أوباما من بن زايد؟

      كشف ديفيد هيرست، رئيس تحرير موقع Middle East Eye البريطاني، أن مقربين من ترمب قد أبدوا استعداداً لتبادل معلومات داخلية عن تعيينات الحكومة الأميركية مع يوسف العتيبة سفير الإمارات في واشنطن، حسبما أظهرت مجموعة جديدة من رسائل البريد الإلكتروني المسرَّبة.

وأشار هيرست إلى أن هناك تسريبات جديدة للعتيبة كشفت عن تعهُّد مستشاري الرئيس المنتخب للعتيبة بأن يضعوا مصالح الإمارات نصب أعينهم عند وضع سياسة الحكومة الجديدة تجاه الشرق الأوسط.

وتكشف رسائل البريد الإلكتروني أنَّ العلاقة بين الإماراتيين والدائرة المقرَّبة من الرئيس ترمب قد توطدت في فترة سابقة عما كان مُتصوراً من قبل.

وتدور المراسلات المسرَّبة بين يوسف العتيبة وتوم باراك، الصديق القديم لترمب والملياردير جامع التبرُّعات للحملات الانتخابية. وتكشف المراسلات أن باراك عَرَضَ ترتيب لقاء بين ترمب، الذي كان لا يزال مرشحاً حينها، والسفير الإماراتي في أبريل/نيسان 2016. وتبدَّل برنامج الحزب الجمهوري لانتخابات عام 2016 للتراجع عن الدعوة لنشر 28 صفحة من وثائق يُزعَم أنَّها تحمل إدانات، من التحقيقات الخاصة بأحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول؛ كما أنَّ العتيبة سعى للحصول من باراك على معلومات تخص تعيينات كبار المسؤولين حين كان ترمب رئيساً منتخباً.

دبلوماسية البريد الإلكتروني بدأت قبل الانتخابات الأميركية

يرجع تاريخ رسائل البريد الإلكتروني الرئيسية المسرَّبة، إلى الفترة التي كان ترمب فيها لا يزال مرشحاً للرئاسة وقبل 6 أشهر على الأقل من الاجتماع الشهير ببرج ترمب في ديسمبر/كانون الأول 2016 والذي كشفت عنه صحيفة The Washington Post الأميركية بين ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، ومايكل فلين مستشار ترمب السابق للأمن القومي، وغاريد كوشنر مستشار ترمب للشرق الأوسط، وستيف بانون كبير مخططيه الاستراتيجيين السابق.

في ذلك الوقت، انزعج الرئيس الأميركي المنتهية ولايته، باراك أوباما، من وصول محمد بن زايد دون سابق إعلان إلى نيويورك؛ ولذلك تم الإعلان عن أسماء الأشخاص الذين حضروا الاجتماع.

وقدَّمت السعودية والإمارات أموالاً لدعم حملة ترمب

وستكون رسائل البريد الإلكتروني المسرَّبة محل اهتمام المحقق روبرت مولر، الذي وسَّع نطاق تحقيقاته في التدخل الروسي المحتمل بالانتخابات الأميركية لعام 2016 ليشمل ما إذا كانت السعودية والإمارات قد قدَّمتا أي مبالغ مالية للحملة الانتخابية لترمب. وخضع باراك لاستجواب فريق مولر في ديسمبر/كانون الأول2017؛ ولكن من المفهوم أنَّه هو نفسه غير مستهدف بالتحقيق.

وبدأت علاقة العمل الوثيقة بين الإمارات والدائرة المقرَّبة من ترمب، في الفترة التي كان لا يزال فيها مرشحاً، تخضع للتدقيق والتمحيص.

وبلغت حساسية محمد بن زايد من تحقيق لجنة مولر حداً دفعه إلى إلغاء زيارة كان مخططاً لها إلى واشنطن الشهر الماضي. وقد سبق أن نقل موقع The Middle East Eye البريطاني أنَّ ابن زايد سعى إلى الحصول على ضمانات مكتوبة بعدم احتجازه هو أو أي من المقربين منه للاستجواب في واشنطن.

الصفقة الأولى كان تغيير خطاب ترمب العدائي تجاه المسلمين

بدأ التواصل بين باراك والعتيبة عام 2009 بخصوص صفقة عقارية في كاليفورنيا، غير أنَّ العلاقة بين الطرفين ازدهرت حين ترشَّح ترمب للرئاسة عام 2016، وعَرَضَ صديق ترمب المقرَّب أن يقدِّم إيَّاه (ترمب) إلى السفير.

وكتب باراك في 26 من إبريل/نيسان عام 2016: «يسرني أن أحضره معي لاحتساء القهوة إذا لم يكن لديك مانع». وجاء رد العتيبة، الذي كان حينها في أبوظبي، بأنَّ الموقف من ترمب «شديد» الالتباس بسبب مقترحه بحظر السفر من الدول الإسلامية.

أصرَّ باراك على أنَّ ترمب لا يُكِنُّ العداء للإسلام، وقدَّم للعتيبة العرض التالي: «يمكننا أن نغيِّر موقفه ليكون أكثر حصافة؛ كل ما يحتاجه هو قليلٌ من العرب الأذكياء الذين يمكنه التشاور معهم. وأنت على رأس هذه القائمة».

والصفقة الثانية إلغاء نشر وثائق تدين السعودية في هجمات سبتمبر

ويشير باراك، المولود لأب لبناني مهاجر والذي يجيد اللغة العربية، طوال مراسلاته مع العتيبة إلى عبارات من قبيل «أجندتنا» و»منطقتنا»، وعَرَضَ تقديم العتيبة إلى غاريد كوشنر، مستشار ترمب المستقبلي لشؤون الشرق الأوسط، مُضيفاً: «ستجده لطيفاً، كما أنَّه يوافق على أجندتنا».

وكان العتيبة بدوره يتوق إلى تقديم الدائرة المقرَّبة من ترمب إلى رؤسائه، بدءاً من طحنون بن زايد، شقيق ولي عهد أبوظبي ومستشاره للأمن الوطني. وفي 26 من مايو/أيار 2018، رد باراك: «يوسف، هذا أفضل ما يمكننا فعله. أعِدك بأنَّ بإمكاننا تحقيق الكثير إذا منحتني أنت وسموّه ساعةً فقط مع (الرجل)».

ومع اقتراب موعد عقد الانتخابات في نوفمبر/تشرين الثاني، أُلغي جزءٌ من برنامج الحزب الجمهوري لعام 2016، كان من المحتمل أن يشكِّل حرجاً للحكومة السعودية. وكان الجزء المحذوف يدعو إلى نشر 28 صفحة من الوثائق التي جُمِعَت في أثناء التحقيقات بأحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، والتي تشير إلى تورّط أفراد من الأسرة الملكية السعودية في تمويل منفذي الهجوم.

ووفقاً لرسالة بريد إلكتروني بعث بها بول مانافورت، مدير حملة ترمب، إلى باراك، كانت الفقرة المحذوفة قد أدخلها في الأصل أفراد مجموعة ضغط (لوبي) يعملون نيابةً عن لجنة الشؤون العامة الأميركية-الإسرائيلية (آيباك).

وطلبت الإمارات معلومات عن رجال ترمب قبل الإعلان عن تعيينهم

وبعد أسبوع من الهزيمة المفاجئة التي ألحقها ترمب بمرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون، طلب العتيبة من باراك الحصول على «أي معلومات» بخصوص الأشخاص الذين سيقع عليهم اختيار الرئيس القادم بالمناصب الحسَّاسة، المتمثلة في وزارة الخارجية ووزارة الدفاع ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA).

ولي عهد أبو ظبي في لقاء مع ترمب

في 16 نوفمبر/تشرين الثاني، كتب العتيبة: «سأكون ممتناً إذا كانت لديك أي معلومات عمن سيشغل مناصب مثل وزارة الدفاع والخارجية ووكالة الاستخبارات المركزية ومستشار الأمن القومي. كل ما سأفعله أنَّني سأخطر رؤسائي بذلك. أي مؤشرات ستكون محل تقدير كبير».

رد عليه باراك: «لديَّ فعلاً بعض المعلومات، وكنا نرتب لهذا الأمر في حينه، وأنا أُولي أهمية كبيرة لمصالحنا الإقليمية. هاتِفني حين تسنح الفرصة».

ثم طلبت تعيين فران تاونسند مديرةً للـ»CIA«

بعد 5 أيام، حاول العتيبة تعيين فران تاونسند، مستشارة مكافحة الإرهاب والأمن الداخلي للرئيس جورج بوش الابن، والتي وصفها بأنَّها «صديقة عزيزة» له، مديرة للاستخبارات الوطنية في إدارة ترمب.

فكتب لباراك: «رأيتُ فران أمس، وعلى الفور ظننتُ أنَّها ستكون إضافةً رائعة لكم. ستكون مديرة ممتازة للاستخبارات الوطنية أو وزيرة للأمن الداخلي. ستباشر العمل على الفور وبجد في جميع القضايا».

وفي مايو/أيار 2017، أكدت تاونسند أنَّها كانت ضمن القائمة المختصرة للمرشحين لمنصب مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) عقب الإطاحة بجيمس كومي. ورداً على سؤال لمجلة Politico عمَّا إذا كانت ستقبل المنصب، قالت: «ما تعلمتُه في البيت الأبيض هو ألا أناقش فرضيَّات، لكنَّني سأعبر عن بالغ امتناني وفخري بالتواصل معي لأجل المنصب».

حذف ترمب اللهجة المعادية للأسرة السعودية من برنامجه

عقد باراك مقابلة مع محققي مولر في ديسمبر/كانون الأول 2017، وسُئِل بصورة أساسية عن بول مانافورت، الذي رشحه باراك ليتولى منصب مدير حملة ترمب. ومنذ ذلك الحين ومانافورت في دائرة الاتهام لدى مولر.

الأمير محمد بن سلمان في زيارة لترمب

وفي يوليو/تموز 2016، بعد شهر من توليه منصب مدير حملة ترمب، أرسل مانافورت رسالة بريد إلكتروني إلى باراك كان قد تلقاها من مصدر داخل الحزب الجمهوري بشأن حذف الإشارة إلى تمويل سعودي مفترض لمنفذي هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. وعلى الفور، أعاد باراك تمرير رسالة إلى العتيبة، مضيفاً إليها تعقيباً يشير إلى أنَّها «بالغة السرية، ولكنَّها مهمة، من فضلك لا تنشرها».

وجاء نص الرسالة: «بول. يمكن أن ترسل هذا إلى صديقك توم باراك. تأكّدتُ من حذف اللهجة المعادية للأسرة المالكة في السعودية من البرنامج. لقد أدخلها أعضاء لوبي الـ(آيباك)، وكان من المفترض أن تكون جزءاً من برنامج عام 2016. حين رأيتُ التعديل الذي جرى تمريره في اللجنة الفرعية، أعطيتُ أوامري لفريقنا السياسي بحذف الخطاب العدائي في اللجنة بهيئتها كاملةً».

ولم تُعرَف هوية المُرسِل الأصلي للرسالة.

وباراك أقنع ترمب بالصلة الوثيقة بين السعودية والإمارات

وبرز باراك أيضاً في المراسلات باعتباره الوسيط الأساسي الذي جرى من خلاله توصيل ولي عهد السعودية، محمد بن سلمان، بالمرشح الرئاسي آنذاك دونالد ترمب.

حاول بن سلمان أن يقدِّم نفسه إلى ترمب من خلال طلب اجتماع مع مانافورت في نيويورك. دار حينها نقاشٌ حول القناة الأفضل التي يمكن عبرها التحضير للاجتماع.

وحين تواصل سفير السعودية في واشنطن مع «شخص من مستوى الإدارة الوسطى» بشركة Blackstone للاستثمار، تحرك باراك في عجالة لقطع الطريق على هذا الطريق المنافس للوصول إلى ترمب.

قال باراك في رسالة بريد إلكتروني: «بول اتصل بي وسيفعل ذلك إذا ما قدَّمنا ولي العهد من خلالنا! أريد أن أرسي في ذهن دونالد الصلة بين السعودية والإمارات، والتي أفهمناها بالفعل لغاريد. أظن أنَّه سيكون من المهم أن تكون أنت مركز التنسيق!».

وتكشف هذه المراسلات أنَّ ترمب نفسه كان حريصاً على أن يتم التواصل بينه وبين بن سلمان عبر باراك نفسه، أكثر مستشاريه ثقةً.

وفي هذا السياق، كتب باراك: «المرشح لم يرغب في الاجتماع إذا تم عقده من خلال شركة Blackstone لعدة أسباب! إذا تم ترتيب الاجتماع من خلالنا نحن الاثنين، فسنكون متأكدين من أنَّ الأمور تسير بسلاسة ولباقة وعلى نحو ملائم، وأنَّ المرشح قد تلقى القدر الملائم من المعلومات!».

ثم طلب العتيبة ترتيب لقاء لزوجته مع مصممة أزياء ميلانيا

تُظهر رسائل البريد الإلكتروني أيضاً كيف أصبح باراك والعتيبة صديقين مقربَين؛ إذ تبدأ مراسلاتهما بالعبارة الرسمية «سعادة السفير» وتنتهي بعبارة «مرحباً حبيبي».

وفي إحدى المراسلات، طلب السفير الإماراتي «معروفاً بسيطاً» من باراك، وهو أن يرتب لقاءً بين زوجة السفير عبير العتيبة ومُنسِّقة الأزياء التي تعمل لدى ميلانيا ترمب: «هل هناك أي فرصة لأن نتعرَّف على منسِّقة الأزياء الخاصة بملانيا؛ لمساعدة عبير في خط الأزياء الجديد الخاص بها؟»

وبعد عشاء نظمه العتيبة بين باراك ووزير الخارجية السعودي عادل الجبير، بالَغ باراك في الثناء على مضيفه.

فكتب له: «لا بد أن أخبرك بأنَّ هذه الأمسية كانت من أروع الأمسيات التي قضيتُها منذ وقتٍ طويل وأكثرها تشويقاً. منزلك الرائع، والعشاء الأنيق، والخمر الذي لم أتذوق أطيب منه، والضيوف الذين بلغوا قدراً عظيماً من الذكاء والفصاحة. أشكرك على كرمك وحسن ضيافتك ودعوتك لي ضمن مجموعة من ذوي المقام الرفيع كهؤلاء. أنت رجلٌ رائع».

وقال موقع Middle East Eye إنه حاول التواصل مع سفارة الإمارات في واشنطن ومع باراك وتاونسند للتعقيب، ولم يتلقَّ رداً من أيٍّ منهم حتى وقت نشر هذا المقال.

ووفقاً لصحيفة New York Times، جمعت شركة Colony NorthStar المملوكة لباراك استثمارات بأكثر من 7 مليارات دولار منذ أن فاز ترمب بترشيح الحزب الجمهوري، 24% منها أتت من الخليج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *