الطب والصحة

لعبة أطفال بسيطة وراء أحد أعظم الاختراعات الطبية

      سنة 1816، كان مجال الطب على موعد مع اختراع ثوري سهّل عملية التشخيص السريري. فأثناء تلك السنة ومن خلال حادثة بسيطة وملهمة تمكّن الطبيب الفرنسي رينيه لينيك (René Laennec) داخل أروقة مستشفى نيكر (Hôpital Necker) بالعاصمة الفرنسية باريس من اختراع السمّاعة الطبية أو كما تعرف أيضا بالستيتوسكوب (stethoscope) ليساهم بفضل ذلك في جعل عملية تشخيص الأمراض أقل تعقيدا ومحافظا على خصوصية المرضى.

تعد السماعة الطبية أداة أساسية لدى كل طبيب حيث يسهل التعرف على الأطباء وتمييزهم من خلال السماعة الطبية التي يحملونها في أغلب الأوقات.

وفي الأثناء اقتبس اسم هذه الأداة من الإغريقية حيث يقصد بالكلمة الأولى stethos الصدر أما الكلمة الثانية فقد اشتقت من skopein والتي يقصد من خلالها الاستكشاف.

يعود تاريخ ظهور السماعة الطبية إلى العقد الثاني من القرن التاسع عشر.

فخلال أحد أيام شهر أيلول/سبتمبر سنة 1816 وأثناء تجوله قرب قصر اللوفر بالعاصمة الفرنسية باريس لاحظ الطبيب رينيه لينيك البالغ من العمر 35 سنة طفلين مستمتعين بلعبة فريدة من نوعها اقتصرت فقط على عارضة خشبية ودبوس.

صورة لسماعة طبية خشبية استخدمها الطبيب رينيه لينيك

وبينما تكفل الطفل الأول بثقب إحدى جهتي العارضة الخشبية مستخدما الدبوس أقدم الطفل الثاني على وضع أذنه على الجهة الأخرى من أجل سماع ضربات الدبوس وحساب عددها مستغلا تضخيم ونقل الخشب للصوت.

خلال الفترة الأخيرة من نفس السنة استدعي الطبيب رينيه لينيك ليكشف عن امرأة شابة مصابة بمرض على مستوى القلب.

وفي الأثناء اعتمد الأطباء حينها على طريقة بدائية تقتضي وضع الأذن على الصدر العاري للمريض من أجل سماع دقّات القلب وحركة التنفس.

بالتزامن مع ذلك لم يحصل الطبيب رينيه لينيك على نتائج واضحة من خلال كشفه على المرأة الشابة حيث لم يتمكن الأخير من تشخيص مرضها بشكل قاطع فضلا عن ذلك استاء الطبيب الفرنسي كثيرا من الإحراج الذي سببته عملية التشخيص السريري للمريضة والتي اعتبرها لينيك حينها اعتداء على خصوصيتها.

لوحة زيتية للرسام روبرت توم تجسد الطبيب لينيك وهو بصدد إستخدام سماعته الطبية الخشبية

وأمام هذا الوضع المحرج استحضر رينيه لينيك في ذاكرته الحادثة التي جرت وقائعها خلال شهر أيلول/سبتمبر سنة 1816، عندما لاحظ تلك اللعبة التي قام خلالها الطفلان بتضخيم الصوت لسماع ضربات الدبوس اعتمادا على الخشبة، فما كان منه إلا أن أقدم على لف ورقة ليضع على إثر ذلك إحدى جهتيها على صدر المرأة المريضة بينما وضع أذنه على الجهة الثانية وبفضل ذلك تمكن الطبيب الفرنسي من سماع دقات القلب بشكل أكثر وضوح.

عقب هذا النجاح الباهر قضى الطبيب رينيه لينيك السنوات الثلاث التالية في تجربة عدد من المواد لصناعة أنبوب قادر على تضخيم ونقل الأصوات بشكل واضح وفي النهاية وقع اختيار الأخير على الخشب حيث عمد لينيك إلى صناعة أنبوب خشبي مجوف بلغ قطره 3,5 سنتيمترات وطوله 25 سنتيمترا ليصبح هذا الأنبوب الخشبي حينها أول سماعة طبية حقيقية وفعلية عرفها التاريخ.

وتواصل استخدام السماعة الخشبية طيلة النصف الأول من القرن التاسع عشر وجاء ذلك قبل أن يتم تعويض الأنبوب الخشبي بأنبوب مطاطي. وفي الأثناء تطورت السماعة الطبية خلال العقود التالية حيث أضيفت إليها بعض المكونات الأخرى كالطبلة والحامل المعدني المرن وسماعتي الأذن لتبلغ هذه الأداة في النهاية شكلها الحالي.

صورة لسماعة طبية معاصرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *