ثقافة وفنون

القرية التي يسكنها أحفاد “جنود الإسكندر الأكبر” .. (صور)

       يشتهر “وادي بارفاتي” بين هواة الأسفار بالحفلات التي تشهد تعاطي المخدرات، وما ينبعث فيه من أدخنة ناجمة عن تدخين الحشيش المُخدر، الذي يأتي من قرية “مالانا” ذات التاريخ العريق، والواقعة في ولاية هيماجيل براديش، شمالي الهند.

لكن بوسعك إذا ما اخترقت عيناك حجب هذه الأدخنة أن تجد نفسك إزاء كنز دفين من الأساطير والمكائد والأسئلة التي تعوزها الإجابات.

وتقع هذه القرية التي يبلغ عدد سكانها نحو 1700 نسمة على قمم الهيمالايا، تحيطها منحدراتٌ صخرية شديدة الانحدار، وجبال تكسو الثلوج قممها.

وطالما اجتذبت قرية “مالانا” السائحين ليقيموا فيها عدة أيامٍ وسط رياحٍ شديدة البرودة، وصفوف من أشجار الدودار، التي تكتسي أوراقها باللون الأخضر الداكن، وذلك لتعاطي ما يعتبره سكان المنطقة عشباً مقدساً، وهو قنب مالانا أو حشيشها المخدر الشهير، الذي يراه الزوار وسيلة لنيل قسط من راحة الذهن والبال.

ويحظى هذا النوع من الحشيش بشهرته لسببين، أحدهما يتعلق بطريقة إنتاجه وتحضيره التي يُفرك فيها باليد، وكذلك بفعل ما يُروى عن أن له أثراً مُخدراً ذا طابعٍ استثنائيٍ. رغم كل ذلك، كان الهدف الرئيسي من زيارتي إلى هذه القرية الهندية يتمثل في السعي لفهم الأساطير والخرافات التي تحيط بها.

يعتقد سكان “مالانا” أنهم أحفاد جنود في جيش الإسكندر الأكبر

فثمة أسطورةٌ تقول إن بعضاً من جنود جيش الإسكندر الأكبر لاذوا بتلك القرية المنعزلة في عام 326 قبل الميلاد، بعدما أصيبوا في معارك واجهوا فيها جيش الملك بوروشوتاما، الذي كان يحكم منطقةً تقع حالياً ضمن ولاية البنجاب الهندية.

وفي أغلب الأحيان، يُقال إن هؤلاء الجنود هم أجداد السكان الحاليين لـ”مالانا”. وقد عُثِرَ في القرية على قطعٍ أثرية تعود إلى تلك الحقبة، ومن بينها سيفٌ تفيد تقارير بأنه موجودٌ بأحد معابدها.

رغم ذلك، لم تُدرس مسألة وجود صلات وراثية بين السكان وجنود الإسكندر، كما لم تُثْبَتْ مثل هذه الروابط علمياً. أكثر من ذلك، لم يكن لدى الكثير من سكان القرية الذين تحدثت معهم، أي فكرة عن مصدر تلك الأسطورة.

ويقول أملان داتّا – وهو مخرجٌ سينمائيٌ قضى عقداً من الزمان يعمل في مالانا – إن “الادعاء الضخم القائل بأن سكان مالانا ينحدرون من نسل أفراد جيش الإسكندر الأكبر غدا حقيقةً مقبولةً على نطاقٍ واسعٍ، ولكنني لم أجد أي شيءٍ ملموس يدعم ذلك. هناك بعض الأسلحة والأشياء التي يمكن العثور عليها، والتي أثارت وجود هذه الروابط. ولكنني واثقٌ من عدم وجود دليل يؤيد صحة هذه القصة”.

غير أن هناك عوامل تُذكي هذه النظريات، من بينها الاختلاف الملحوظ في السمات الشكلية للسكان عن أقرانهم في الولايات الهندية الأخرى، وكذلك اللغة التي يتحدثون بها والتي لا تشبه أياً من اللغات السائدة بين قبائل تلك المنطقة، وهو ما يُعَمِقُ اللغز المحيط بهؤلاء القوم وهويتهم.

فسكان “مالانا” يتحدثون لغةً تسمى “كاناشي” ويُسْبِغون عليها القداسة ولا يُعلِّمونها للغرباء. كما أنها لا تُسْتَخْدَم في أي مكانٍ آخر في العالم.

يتحدث سكان “مالانا” بلغة “كاناشي” التي يُسبغ عليها الناطقون بها القداسة ولا تُستخدم في أي مكانٍ آخر في العالم

وخلال زيارتي، استخدمت لفظاً محلياً يعني “أخ” في سياق مخاطبتي لبعض الرجال الذين التقيت بهم، وهو أمرٌ شائعٌ إلى حد ما لمخاطبة الرجال في هيماجيل. ولكن على الرغم من أن السكان فهموا ما كنت أقوله لهم باللغة الهندية، فإن ردودهم عليّ بلغة “كاناشي” كانت مبهمةً بالنسبة لي.

وفي الوقت الحالي، تشكل هذه اللغة موضوعاً لدراسة تجريها جامعة أوبسالا السويدية بقيادة الأستاذة في اللغويات أنجو ساكسينا التي قالت لي إن الوضع الراهن للغة كاناشي يجعلها “حتماً مُهددةً بالانقراض بوصفها لغةً غير مكتوبة، ولم يتم تعريفها وتحديد خصائصها علمياً”.

وتضيف ساكسينا بالقول: “تنتمي هذه اللغة إلى عائلة اللغات الصينية التبتية. وفي كل القرى المحيطة، يتحدث (السكان) اللغات الهندية الآرية التي لا تمت بأدنى صلةٍ لتلك اللغة”. ويثير ذلك تساؤلات مثيرة حول بنيتها اللغوية وطبيعة ما كانت عليه في مرحلة ما قبل تسجيل تاريخها”.

ولا تكتنف المخاطر اللغة التي يتحدث بها سكان “مالانا” فحسب، وإنما يمتد ذلك إلى طريق الوصول إلي تلك القرية، والتي كانت رحلةً إلى المجهول.

فالطرق المؤدية إلى “مالانا” غير مُعَبَّدة بشكل يجعلها تصلح لمرور مركباتٍ ذات محركٍ. وقد وصلت إليها بعد رحلة مضنية استغرقت نحو أربع ساعات، قطعتها قادمة من قرية جارتي الواقعة في قاع وادي بارفاتي.

ولم يمض عليّ وقتٌ طويلٌ بداخل “مالانا” قبل أن أبدأ في ملاقاة المارة من سكانها، الذين يميزهم لون الشعر البني الفاتح، الذي تصطبغ به أعينهم كذلك، بجانب أنوفهم الطويلة وبشرتهم القمحية المميزة أو تلك التي تبدو مزيجاً من البني والذهبي.

تُذَكِّرُ السمات البدنية المُمَيِزة لسكان مالانا بتلك الصفات الشكلية التي نراها في سكان منطقة حوض البحر المتوسط

وكانت الغالبية العظمى ممن مررت بهم يرتدون ثياباً تقليديةً مؤلفةً من جلاليب ذات لونٍ بنيٍ فاتح، وقلنسوات وأحذية مريحة ومرنة منسوجةٍ من خيوط نبات القنب. وبدا أولئك الأشخاص بالنسبة ليّ أقرب إلى سكان حوض البحر المتوسط منهم إلى قاطني هيماجيل.

ولدى دخولي القرية، صادفت مجموعةً من الصبية الذين سألوني عما إذا كنت أرغب في شراء بعض الحشيش. وبالنظر إلى أن القنب وما يتصل به من أنشطة تجارية شكَّلَ لأمد طويل العمود الفقري لاقتصاد هذه القرية الصغيرة، فقد أدى إلى ظهور مجموعة من المشكلات الاجتماعية والثقافية، مثل انخراط الصبية والأطفال الصغار في الإتجار بالمخدرات.

ولعل ذلك ما أدى قبل عامٍ من الآن، إلى “تدخل” الإله الخاص بالقرية والذي يُدعى “جامدَغني ريشي” ويُلقب في المنطقة باسم “جمالو دفتا”، ويشكل أحد الحكماء العِظام في عالم الأساطير الهندوسية.

فقد “أمر” ذلك الإله عبر المتحدث الروحي باسمه، بإغلاق كل بيوت الضيافة الموجودة في مختلف أنحاء “مالانا”، لتبقى القرية مفتوحةً أمام زوارها من الخارج خلال ساعات النهار فحسب.

ويمثل هذا الإله الهندوسي شخصيةً رمزيةً مهمةً في منظومة الحكم في قرية “مالانا”، والتي تتألف من نسق سياسيٍ طالما أثار حيرة الباحثين والزائرين الذين لا يستطيعون استيعاب كيف وُجِدَ هذا النمط المتقدم من الحكم، في تلك القرية الغريبة والنائية الواقعة في منطقة سلسلة جبال الهيمالايا.

وفي هذا السياق، يُقال إن النظام الديمقراطي الفريد من نوعه الموجود في “مالانا” هو من بين أقدم الأنظمة الديمقراطية في العالم، ويشبه نظيره الذي ساد في اليونان القديمة في أنه يتألف من غرفةٍ عليا وأخرى سفلى للهيئة التشريعية أو الحاكمة. لكن ثمة تبديلاً فريداً ذا طابعٍ روحي أُدْخِلَ عليه، يتمثل في أن القول الفصل مُنِحَ إلى الغرفة العليا التي تتألف من ثلاث شخصياتٍ مهمةٍ، من بينها ممثل الإله المحلي الذي تحدثنا عنه سلفاً.

ومن جانبه، يقول روهَن، وهو أحد الصبية الذين يتاجرون في الحشيش، إن للإله “الكلمة النهائية، ولدينا نظامٌ مؤلفٌ من مجلسٍ وثلاث شخصيات، من بينهم الـ’ غور’ (ممثل الإله الهندوسي)، الذي يوصل إلينا قرارات الإله ‘جمالو دفتا'”.

وقد حدثني المخرج داتّا عن أسطورة منتشرة بين القرويين مفادها بأن ذلك الإله الهندوسي عاش يوماً ما في قرية “مالانا” بعدما وُهِبتْ إليه من جانب “شيفا”، وهو أحد أهم الآلهة في الديانة الهندوسية.

ومن بين المعبدين الموجودين في هذه القرية العتيقة القديمة؛ واحدٌ مكرسٌ لـ”جمالو دفتا”، بينما كُرِّسَ الآخر لزوجته “رِنوكا ديفي”.

يُعرف سكان مالانا بتقليص مساحات التواصل مع الغرباء عن قريتهم

وخلال سيري في الدروب الضيقة لـ “مالانا” محاطاً بالبيوت المُشيّدة من الطوب والأخشاب، دلفت إلى الفناء الكبير الذي يجتمع فيه أعضاء الغرفة السفلى من الهيئة الحاكمة في المنطقة، ويوجد فيه كذلك معبدٌ مُكرسٌ لـ “جمالو دفتا”. ويمكن للمرء رؤية هذا المشهد على خلفيةٍ من الجبال ذات القمم المكسوة بالثلوج.

وبدا المعبد فاتناً ومثيراً للاهتمام بأعمدته الخشبية العريضة وأبوابه ذات التفاصيل المتشابكة والمعقدة، بجانب مجموعة العظام والجماجم وغيرها من أجزاء الحيوانات المقدمة قرابين، الموضوعة على أحد الجدران.

لكن عليك ألا تغفل عن لافتة تحذيرية في الخارج، تشير إلى أن “من يلمس هذا المكان المقدس الخاص بالإله ‘جامدَغني ريشي'” سيضطر إلى دفع 3500 روبية هندية.

وتشكل هذه اللافتة برهاناً ظاهراً على تقليد آخر جليٍّ بشدة في قرية “مالانا”، وهو المتمثل في السعي الدؤوب من جانب المسؤولين عنها للحفاظ على “نقائها وطهارتها”.

وفي هذا الصدد، سيخبرك الناس في مختلف ربوع هيماجيل براديش بأن سكان تلك القرية العتيقة يُعرفون بأنهم يَحُدون من التواصل مع الغرباء، خاصةً على صعيد الاتصال والتلامس الجسدي المباشر. وقد تلقيت شخصياً تحذيراً من السائق الذي أوصلني إلى مالانا، بضرورة أن أُبقي على مسافة بيني وبين السكان.

ورغم أنني رأيت بعض أبناء الجيل الأصغر سناً في القرية وهم لا يحجمون عن العناق والمصافحة، فإن غالبية السكان هناك لا يزالون يحافظون بقوة على مبدأ عدم ملامسة الغرباء.

وقد بلغ الأمر حد أنني عندما أردت دفع ثمن قارورة مياه اشتريتها من أحد المتاجر هناك، طلب مني البقال ترك الأوراق النقدية على منضدة الدكان بدلاً من أن أعطيها له مباشرةً. كما عَلِمتُ أنه من الضروري أن تتم الزيجات داخل حدود القرية، وأن من يخالف هذا العرف يتعرض لمقاطعة اجتماعية.

وبحكم إدراكي التام بأن الغرباء غير مرحب بهم في “مالانا”، ساورني شعورٌ بأنني متطفلة خلال طرحي بدأب الأسئلة على السكان وإجراء نقاشات معهم، للتعرف على مزيد من المعلومات بشأن قريتهم.

ومع أن سكان ولاية هيماجيل يتسمون بالود والحميمية، والميل إلى الثرثرة، وكذلك بحب مشاطرة الغرباء طعامهم وحكاياتهم، فإن الأمر في “مالانا” يختلف، إذ كان من النادر أن ترى محادثات مطولةً تُجرى مع السكان هناك.

والآن، وبعد أسابيع من قيامي بهذه الرحلة، أدركت وأنا أنظر إلى الوراء أثناء محاولاتي المضنية لسبر غور أساطير “مالانا”، أن الجانب الأكثر جمالاً من تجربتي هذه يكمن في روح الغموض التي تتسم بها القرية.

BBC

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *