أخبار منوعة

زيارة إلى بلدة هندية لا وجود فيها لأبواب

          لا يزال سكان بلدة “شاني شينغنابور” الهندية يحافظون على تقليد قديم يتمثل في عدم تركيب أبواب لمنازلهم، وجعلها مفتوحة على مصراعيها أمام الجيران وزوار المنطقة من الحجاج الهندوس.

تمتد البلدة على مساحة لا يزيد نصف قطر دائرتها على كيلومترٍ واحد، بمدينة أحمدناغار في ولاية ماهاراشترا.

وتستقبل هذه القرية الصغيرة، التي لا يتجاوز عدد منازل سكانها نحو المئتين، حشوداً من الحجاج الهندوس الذين يتدفقون عليها لأداء صلواتهم للإله الهندوسي شاني.

هناك ستجد أحد أكثر المعابد في الهند تبجيلاً لهذا الإله، الذي يضع سكان البلدة ثقتهم الكاملة فيه باعتباره حامياً لهم (حسب اعتقادهم). وقرر هؤلاء، بسبب أسطورةٍ تعود إلى 300 عامٍ تقريباً، عدم تركيب أبواب لأيٍ من منازلهم.

ولا يقتصر ذلك على البيوت فحسب، وإنما يمتد إلى كل المباني الخدمية في “شاني شينغنابور” تقريباً؛ من الفنادق إلى مركز الشرطة، وحتى المصرف. ولذا لن تجد هناك محلاً واحداً يبيعك أقفالاً أو مفاتيح.

أمرٌ نادرٌ في عالمنا اليوم

يتمثل المزار الخاص بالإله شاني الموجود في البلدة في حجر ضخم أسود اللون، يبلغ طوله 1.5 متر، موضوع على منصة بدون غطاء من أي نوع.

ويتدفق زيت الخردل طوال الوقت من حاوية مُعلقةٍ فوق المزار، ليستحم “المعبود” بذاك السائل الذي يرمز للتفاني الذي يكرسه له المؤمنون به. ولا يغلق المعبد أبوابه على الإطلاق، إذ يظل مفتوحاً ليلاً ونهاراً على مدار السنة.

ورغم أن هذا المعبد – كثيف الزوار – يمثل مزارا متواضعا، فإنه يُدار حالياً من جانب وقفٍ يتلقى تبرعاتٍ ماليةً كبيرةً من الحجاج والهندوس المخلصين.

وبمرور الوقت، ذاعت شهرة هذه البلدة، وترسخ إيمان سكانها بعقيدتهم. ويعيش هؤلاء في مساكن بسيطة وعمليةٍ، تُتْرَك أبوابها مفتوحةً خلال فصول السنة، دون أن تجد فيها سوى إطارات الأبواب فحسب عند المداخل.

وبينما توفر الستائر نوعا من الخصوصية، يُستخدم نوع من الخشب الرقيق في بعض الأحيان لحماية النصف السفلي من المدخل، للحيلولة دون دخول الحيوانات الضالة إلى المنازل.

اللافت أن السكان يمارسون أعمالهم اليومية دون شعورٍ بالقلق إزاء مسألة تأمين منازلهم أو ممتلكاتهم. ويبلغ إيمانهم الراسخ بالإله الهندوسي حد إقدامهم على السفر خارج القرية لأيامٍ، دون أن يطلبوا من الجيران التحلي باليقظة حتى لا تتعرض منازلهم للسرقة.

ويقول ديانيسوار كودالكر الذي يدير بيت ضيافة مخصصا للحجاج الزائرين للقرية: “إذا كان هناك شخصٌ مخادعٌ أو يحاول السرقة في البلدة، فإنه لن يستطيع الفرار مما سينزله به الإله شاني من ألوان العقاب، وسيتحمل عواقب أفعاله”.

ويضيف كودالكر بالقول: “عندما ننعم بالحماية إلى هذه الدرجة، لا داع للقلق بشأن اتخاذ ترتيباتٍ للسلامة والأمن. هناك حالاتٌ شهدت تركيب البعض أبواباً أو مزاليج في منازلهم، وقد عانى هؤلاء من الحظ السيء أو وقعت لهم حوادث، أو تكبدوا خسائر في أنشطتهم التجارية”.

تدفق الحجاج الهندوس

في أوائل عام 2011، افتتح فرع للبنك التجاري المتحد في البلدة، وهو أول بنك يضع في اعتباره تقاليد البلدة، ولا يستخدم الأقفال التقليدية

بمرور السنوات، أصبحت هذه البلدة مقصداً ذا شعبيةٍ متناميةٍ للحجاج الهندوس، الذين يفوق عددهم الآن 40 ألف شخصٍ يومياً. ويزداد هذا العدد في يوم ظهور الهلال الجديد في مطلع الشهر القمري، وهو الحدث الذي يُنظر إليه باعتباره ميموناً، خاصة إذا حدث يوم السبت. وفي مثل هذه المناسبات، تشهد “شاني شينغنابور” احتفالاً ومراسم خاصةً.

وفي الماضي، كان من التقليدي أن يُحظر على النساء دخول أكثر الأماكن قدسية داخل المعبد. لكن ذلك تغير بموجب حكمٍ أصدرته المحكمة العليا في مومباي في 30 مارس/ آذار 2016، طلبت فيه من الحكومة المحلية في ماهاراشترا السماح للنساء بالدخول إلى أي معبدٍ في الهند.

وبعد أسبوعٍ من ذلك أو أكثر قليلاً، وافق الوقف الذي يدير المعبد على أن يسمح للنساء الهندوسيات المُتعبدات بدخول قدس الأقداس. لكن نساء القرية لا يزلن يحجمن عن الدخول احتراماً للتقاليد التي كانت سائدةً في السابق.

ظلت بلدة “شاني شينغنابور” لسنواتٍ طويلة دون مركزٍ للشرطة، بالنظر إلى أنه لم تكن هناك حاجة لذلك. ولم يُقم مثل هذا المركز سوى في عام 2015، عندما نُقِل مركز الشرطة الخاص بقرية سوناي المجاورة إلى هذه البلدة، بهدف الحفاظ على النظام والسيطرة على الزيادة الكبيرة التي يشهدها عدد الحجاج الهندوس في أيام السبت، وخلال فترات ذروة زيارة المنطقة.

وحتى عام 2010، لم تكن هناك وقائع معروفةٌ للسرقة أو السطو على المنازل. لكن سُجِلَ في الآونة الأخيرة عددٌ محدودٌ من البلاغات المتعلقة بسرقة مبالغ نقديةٍ قليلةٍ أو مجوهرات أو متعلقات أخرى.

وقال مسؤولٌ في الشرطة – طلب عدم الكشف عن هويته – إن الحوادث الصغيرة لا يُبلّغ عنها في بعض الأحيان، نظراً إلى أن مثل هذه البلاغات قد تشوه سمعة وتقاليد المعبد الذي يتمحور حوله اقتصاد القرية.

وأضاف أن بعض الحجاج الذين يأتون للصلاة في المعبد يرتكبون جرائم بسيطةً من قبيل النشل أو سرقة السيارات في المناطق المحيطة بالمزار الهندوسي. رغم ذلك يأبى القرويون استخدام الأقفال والمفاتيح لحماية ممتلكاتهم الثمينة، في ضوء أن إيمانهم بالإله شاني لا يزال “مطلقاً وقاطعاً”.

مجتمعٌ مترابطٌ

يشكل المزارعون غالبية سكان هذه البلدة الهندية البالغ تعدادها نحو 4000 نسمة، إذ يمتلكون أراضي زراعيةً داخل القرية وخارجها. ويمثل القمح والبصل وقصب السكر المحاصيل الرئيسية لتلك البلدة. وبينما يعمل بعض السكان في المعبد، يمتلك بعضهم الآخر متاجر قريبة منه، وذلك لبيع مستلزمات التعبد والأطعمة والسلع المنزلية.

حياةٌ بسيطةٌ تسود إذن هذه البلدة، يتشاطر فيها السكان روابط وثيقةً متماسكةً؛ أغلبها عائلية. ففي أغلب الأحيان، تطهو النساء الطعام معاً وتساعد بعضهن بعضاً في أداء أعمالهن المنزلية اليومية. وفي فترة ما بعد الغداء وفي المساء، ينخرط القرويون في نقاشاتٍ حول شؤون حياتهم اليومية، أو يشاركون في جلسات قراءةٍ دينيةٍ في المعبد.

وتقول ربة منزلٍ تُدعى أوجولا بوهوشاهِب دانغي: “هذه قريةٌ صغيرةٌ يعرف كل واحدٍ فيها الآخرين. هناك قدرٌ هائلٌ من الثقة بين أفراد المجتمع وبعضهم بعضاً، وهم يمدون يد العون لبعضهم في أحرج الأوقات. في الآونة الأخيرة، انتقل بعض الغرباء عن البلدة ممن أقاموا أكشاكاً قرب المعبد، للإقامة في القرية. لكنهم تبنوا بدورهم تقاليد (المنطقة) وثقافتها القائمة، من صميم قلوبهم وبشدة”.

هل تتغير القرية؟

من الواضح أن هناك عدداً محدوداً من السكان قد بدأ في استخدام أبواب خشبية جرارة، وألواحٍ من الخشب الرقيق أو حتى مزاليج لتوفير الحماية لمنازلهم، وهو أمرٌ لا يرغب أحدٌ في الحديث عنه علناً.

وقد يعود ذلك إلى ما شهدته بعض القرى المجاورة من الكثير من حوادث السرقة. لذا يبدو أن بعض سكان “شاني شينغنابور” يفضلون اتخاذ إجراءاتٍ عمليةٍ لتأمين ممتلكاتهم، بدلاً من الشعور بالندم بعد فوات الأوان.

بالإضافة إلى ذلك، تطرأ تغيراتٌ يمكن رؤيتها بالعين على الطابع الإنشائي للمنازل. فلم يعد هناك في البلدة بأكملها سوى ثلاثة منازل مبنية على الطراز التقليدي.

في المقابل تظهر بشكلٍ مفاجئٍ ومتفرق بيوتٌ أحادية اللون ذات طرازٍ حديثٍ يفتقر إلى الطابع المعماري المُمَيِز للبناء في ولاية ماهاراشترا، والذي يُعنى بتصميم المبنى بشكلٍ يحقق أغراضه الوظيفية، ويعتمد على استخدام قطعٍ من الجرانيت تكون مكشوفةً للعيان. وبينما تتألف غالبية المباني من طابقٍ واحد، هناك بضعةٌ منها مؤلفةٌ من طابقين أو ثلاثة.

ولكن على الرغم من أن البلدة تتغير، فإن هذه التغييرات لم تنتشر في مختلف أنحائها. فالإيمان العميق الراسخ في نفوس غالبية سكانها حدا بالبنائين إلى استنباط حلولٍ مبتكرةٍ وخلاقة، مثل تركيب أبوابٍ جرارةٍ، تُبقي من هم خارج المنزل، على وهمٍ مفاده بأن لا أبواب له على الإطلاق.

في كل الأحوال، وبالرغم من أي تغيرات، لا يزال سكان “شاني شينغنابور” يحافظون على إرثهم بألا تكون لمباني بلدتهم أبواب. وبمجرد أن يصل الزائر إلى هناك، يشعر بالسلام والألفة اللذين يجعلان هذه القرية مختلفةً بشكلٍ لافتٍ للنظر عن غيرها من البلدات والمدن التي تستقبل حجاجاً من الهندوس في الهند.

فالأبواب ليست هي وحدها المفتوحة في هذه المنطقة، وإنما كذلك الأفئدة التي يفتحها السكان دوماً لاستقبال الزوار بحرارةٍ في منازلهم. إذ أن القاطنين في تلك البلدة يُؤْثِرون الحفاظ على معتقداتهم أكثر من محافظتهم على ممتلكاتهم، وهو أمرٌ نادرٌ في عالمنا اليوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *