سياسة

تخلي أميركا عن دورها بالعالم سينهي نظاما أسسته منذ 70 عاما.. New York Times: إجراءات ترمب تعيد أوروبا “لزمن الأدغال”

            يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عازمٌ على قلب السياسة الخارجية الأميركية الراسخة منذ 70 عاماً رأساً على عقب، ولا سيما فيما يخص العلاقات الأميركية مع أوروبا ، التي يعتبرها منافساً أكثر من اعتباره لها حليفاً.

يقول تقرير صحيفة The New York Times الأميركية، أنه من جراء انقلاب ترمب، انطلق بحثٌ محمومٌ على جانبي الأطلسي عن إجابات للأسئلة الصعبة حول الدور العالمي للولايات المتحدة، وما الذي يمكن لنسخةٍ مفزوعةٍ من أوروبا أن تفعله وما الذي ينبغي عليها أن تفعله من أجل نفسها، في حضور نسخةٍ أقل موثوقية من الشريك الأميركي.

مستقبل صار مجهولاً على نحو مفاجئ

أيّد هايكو ماس، وزير الخارجية الألماني، فكرة وجود سياسة خارجية ودفاعية أوروبية أقوى في وجه مستقبلٍ صار مجهولاً على نحوٍ مفاجئ، وذلك خلال حديثه في مؤتمر شمل جميع سفراء ألمانيا وعُقد في الشهر الماضي.

وقال المسؤول الألماني إن «النظام العالمي القائم على قواعد» يُقوَّض في عالمٍ «لا يمكن بعد الآن اعتبار أي شيء فيه أمراً مسلماً على صعيد السياسة الخارجية».

وقياساً على تبادل الأفكار والخبرات الذي وصل إليه الفكر، ذكر ماس، وهو اشتراكي، ما قاله المفكر الأميركي المحافظ روبرت كاغان من مؤسسة بروكينغ الفكرية، وذكر أيضاً كتابه المنتظر صدوره بعنوان «The Jungle Grows Back: America and Our Imperiled World» (الأدغال تنمو ثانية: أميركا وعالمنا المُعرَّض للخطر).

خاصة بعد قلب السياسة الخارجية الأميركية

يعتبر كتابه أحد الكتب العديدة التي تعرضت لهذه القضايا. يرى كاغان أن تراجع الولايات المتحدة عن دورها و قلب السياسة الخارجية الأميركية ، باعتبارها هيئة تطبيق النظام الذي أسسته بعد الحرب العالمية الثانية، وتأثير ذلك على العلاقات الأميركية مع أوروبا ، يعيد العالم إلى حالته الطبيعية؛ أي أدغال مظلمة من المصالح المتصارعة، والقومية المتشابكة، والقبلية، والمصلحة الشخصية.

يذكر كاغان في كتابه أن «النظام العالمي الليبرالي، الذي أسسته الولايات المتحدة منذ ما يزيد قليلاً عن سبعة عقود، ينهار»؛ نتيجة للإنهاك الأميركي من الأعباء العالمية التي بدأت قبل انتخاب ترمب وكانت أحد الأسباب في انتصاره.

ولكن لمّا كانت أميركا المُنهكة تتراجع عن رعاية ما يصفها كاغان بـ»جنة» النظام الليبرالي -متمثلة في 70 عاماً استثنائية من السلام النسبي والتجارة الحرة، وهو «انحراف تاريخي» أتاحته القيادة الأميركية- يجادل الكاتب بأن المخاطر كبيرة، ولا سيما لأوروبا.

وهو ما يُهدد أوروبا بخطر الارتداد إلى الصراع

يحذر كاغان من أن أوروبا، المُثقلة فعلياً بالشعبوية وسياسات الهوية، تواجه خطر الارتداد إلى الصراع الذي نتجت عنه الأفكار الشمولية في ثلاثينيات القرن الماضي.

قال كاغان: «ليس الشرق الأوسط هو القضية الحاسمة، ولا حتى روسيا، بل قد لا تكون الصين. اللعبة الكبرى هي ما تدور لأكثر من قرن. إذا فقدنا أوروبا، وإذا أعدناها إلى حالتها الاعتيادية، سينتهي الأمر».

غير أن وصفته -التي تشير إلى أن الولايات المتحدة عليها تحمل الأمر واستيعاب وجوب استمرارها في دور الضامن الذي لا غنى عنه- يصعب التشارك فيها عالمياً في لحظة يبدو فيها كثيرون متعاطفين مع شكاوى ترمب من أن حلفاء أميركا لا يفعلون ما يكفي من أجل الدفاع الجماعي.

لكن هناك من يرى بأن تأثير العلاقات الأميركية مع أوروبا مبالغ فيه

كانت جوليان سميث، وهي مستشارة سابقة لجو بايدن، نائب الرئيس السابق باراك أوباما، وحالياً زميلة زائرة في معهد Robert Bosch Academy في برلين، قد سافرت مؤخراً إلى الولايات المتحدة للحديث عن السياسة الخارجية.

قالت جوليان: «إذا كانت الرؤية الحزبية في واشنطن أن نفعل المزيد، فإن الناس في الخارج يتساءلون ما إذا كنا طموحين للغاية».

وأضافت: «إننا في موقف حيث لا يرى الجمهور دليلاً لدعم حجج كاغان. فالكونغرس ليس هناك، والإعلام ليس هناك، والجمهور ليس هناك، والشركات تكون هناك ولكن في بعض الأوقات وحسب».

يجادل ستيفن والت، الأستاذ بجامعة هارفارد، في كتابه المنتظر صدوره «The Hell of Good Intentions: America Foreign Policy Elite and the Decline of U.S. Primacy» (جحيم النوايا الحسنة: نخبة السياسة الخارجية الأميركية وانحدار سيادة الولايات المتحدة)، بأن الولايات المتحدة ينبغي عليها أن تبذل مجهوداً أقل، وأن تكون أكثر انتقائية.

نظراً إلى أنه أحد المنتمين إلى المدرسة «الواقعية» في ما يتعلق بالعلاقات الدولية، يقول والت إنه منذ نهاية الحرب الباردة، انخرطت الولايات المتحدة في سلسلة من الجهود الباهظة وغير الضرورية بدرجة كبيرة والتي تبوء بالفشل في نهاية المطاف؛ من إجل إعادة تشكيل الدول على صورتها الخاصة غير الاعتيادية.

وقد قال إن التشبيه المجازي لكلمة جنة «يدل على أن دورنا كريمٌ وخيّر، في الوقت الذي نُدمر فيه في واقع الأمر عديداً من الأشياء». وأضاف: «إذا ذهبنا حول العالم استناداً إلى حروب صليبية مثالية -وبعضها تسوء مآلاتها- حسبما يرغبون، فإن الدعم الجماهيري لسياسة خارجية نشطة سوف يتراجع».

فقد لا يؤدي ذلك بالضرورة إلى الدمار

يرى توماس فالاسيك، مدير مركز كارنيغي في أوروبا، وهي مؤسسة بحثية، أن هذه النظرة شديدة التشاؤم. وقال فالاسيك: «أوافق على أنه ليس من الحتمي أن الولايات المتحدة سوف تلعب دائماً نفس الدور، لكني أعارض (فكرة) أن الدمار يعقب ذلك بالضرورة. لقد غيرت الولايات المتحدة الثقافة الأمنية لأوروبا»، مما جعل الأوروبيين أكثر وعياً بالحاجة للدفاع عن أنفسهم.

وأوضح قائلاً: «إنها ليست الثلاثينيات. ثمة قوى قبيحة تعمل في أوروبا ولكنها ليست من نفس النوع، ولا أشارك كاغان في فرضيته بأن النخب الأوروبية سوف تفشل في الرد».

أضاف فالاسيك: «يجب علينا أن نوضح للشعب الأميركي أنه من مصلحتهم الذاتية المستنيرة أن يظلوا منخرطين، وأن الآخرين يكثفون (من جهودهم) ليدفعوا نصيبهم منه، ويؤدوا (جهودهم)».

والأمر ليس مرتبطاً بصعود ترمب

بدأ التحول في السلوكيات الأميركية «نحو الدور ما بعد الإمبريالي» قبل مجيء ترمب، مع الفشل في حرب العراق، وذلك حسبما ذكرت ناتالي توتشي، مديرة معهد الأعمال الدولية في إيطاليا، ومستشارة فيديريكا موغيريني، الممثلة العليا لسياسة الأمن والشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي.

ترى ناتالي أن «الجانب المشرق في أوروبا أنه حتى القادة المراوغين الحاليين يدركون أننا جميعاً صغار للغاية». وقالت: «ثمة إدراكٌ متنامٍ بضرورة وجود نسخة أقوى من أوروبا والاتحاد الأوروبي، أيما تكون الأخطاء».

يجادل دانييل دريزنر، أستاذ السياسات الدولية في كلية فليتشر للقانون والدبلوماسية بجامعة تافتس، بأن «الأميركيين سئموا الحروب في أفغانستان والعراق»، لكن كاغان ووالت مخطئان حول الرأي العام الأميركي.

وقال: «اسألهما عن التجارة، والهجرة، والتحالفات، وسيتضح أن ترمب جعل الأممية الليبرالية عظيمة مرة أخرى»، في ظل تفضيل الأميركيين للتحالفات الدولية والتجارة مع الأنظمة الديمقراطية الآسيوية والأوروبية.

كما أن الأميركيين سأموا من الحروب الخارجية «الغبية»

وبالفعل، تُظهِر الدراسات الاستقصائية أن قلب السياسة الخارجية الأميركية حول التجارة والتحالفات المشتركة هي الأكثر إيجابية في 40 عاماً، حسبما قال إيفو دالدر، رئيس مجلس شيكاغو للشؤون العالمية. وأضاف: «الأميركيون لم يسأموا من المشاركة الخارجية، ولكن من الحروب الخارجية الغبية التي لا تنتهي».

يُنتظر أيضاً صدور كتاب لدالدر وجيمس ليندساي بعنوان «The Empty Throne: America’s Abdication of Global Leadership» (العرش الخالي: التنازل الأميركي عن القيادة العالمية)، يصفان فيه تأثير ما يعتبران التحول الأكبر في السياسة الخارجية الأميركية منذ الانسحاب من أوروبا بعد الحرب العالمية الأولى.

ومثلما هو الحال مع كاغان، يرى الكاتبان أن هناك عواقب رهيبة، خاصة في العلاقات الأميركية مع أوروبا . لكنهما يجادلان أيضاً بأنه حتى إذا كان ترمب لا يميل إلى النظام العالمي الليبرالي، فإن حلفاء أميركا الأكثر ديمقراطية يمكنهم بذل مزيد من الجهد للحفاظ على هذا النظام، على صعيديّ التجارة العالمية والأمن.

يدعو ليندساي ودالدار إلى تكوين «مجموعة التسعة» من بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وأستراليا، وكوريا الجنوبية، واليابان، وكندا، والاتحاد الأوروبي، لاتخاذ خطوات أكثر جرأة تكون في صالحهم، مثلما يفعلون فعلياً على صعيد التجارة.

يريد كاغان التأثير على هذه الخيارات. إذ يجادل أنه بالرغم من الأخطاء في العراق، وأفغانستان، وليبيا، سيكون التراجع باسم «الواقعية» ساذجاً وغير تاريخي». وقد قال عن ذلك: «بعد عقود من العيش داخل الفقاعة الوقائية للنظام العالمي الليبرالي، نسينا كيف يبدو العالم على حقيقته. إذ إن تصديق أن ربع القرن التالي للحرب الباردة كان كارثياً يعني أن ننسى ما تعنيه الكارثة في الشؤون العالمية».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *