أخبار منوعة

أطباق رمضان: المقلوبة الشامية في مصر، و”الحلو مر” يغيب عن موائد الخرطوم

      تتشابه الظروف الاقتصادية الصعبة في عدد من البلدان العربية، وهو ما ينعكس في غلاء أسعار المواد الغذائية التي تحتاجها الأسر لإعداد أطباقها المفضلة في شهر رمضان.

الظروف الاقتصادية الصعبة، إلى جانب ضغوط العمل أو الدراسة، لم تمنع أربع نساء زارتهن بي بي سي في مدن مختلفة من العثور على حلول لإعداد أطباقهن.

“المكسرات في ألمانيا أرخص من مصر”

تنقلت مريم فيصل الصفتي بين مصر وألمانيا طوال حياتها بسبب عمل والدها. وبفضل ذلك تعلمت إعداد أكلات من مطابخ متنوعة. ومن بين كل تلك الأطباق هناك طبق واحد لا يكتمل من دونه رمضان بالنسبة لها: المقلوبة الشامية.

كانت مريم في الثالثة عشرة عندما طبخت أمها المقلوبة للمرة الأولى بعد أن تعلمت إعدادها من صديقة سورية في مدينة بون الألمانية.

وحتى بعد وفاة والدتها، تحرص مريم وأخواتها على تحضير الطبق كل رمضان.

“منذ ذلك الوقت، لا يمر رمضان على العائلة بدون المقلوبة”.

تحتفظ مريم بتفاصيل المكونات الأصلية للطبق ومقاديره من البطاطا والباذنجان والأرز وقطع اللحم والمكسرات، فهي لا تريد المساس بوصفة أمها “ذات المعزة الخاصة” عندها.

وتقول إن تكلفة إعداد هذا الطبق قد تضاعفت مقارنة بأول مرة قامت بتحضيره فيها منذ نحو 15 عاما.

“طبعا سعر اللحم تضاعف على مدار السنوات”، تقول مريم، رغم أنها لا تتذكر سعر اللحم بالتحديد.

تخرج مريم من الخزانة أكياس الصنوبر واللوز، وعليها كتابة باللغة الألمانية.

تشرح مريم أنها تشتري مخزون المكسرات أثناء زياراتها لألمانيا بسبب “الارتفاع المبالغ فيه” لأسعار المكسرات في مصر.

ويبلغ سعر الكيلوغرام الواحد من اللوز في مصر 400 جنيه مصري (نحو 22 دولارا أمريكيا)، بينما يتعدى سعر الصنوبر 1800 جنيه مصري للكيلوغرام (106 دولارات)، أما كيلو اللحم البقري فيصل سعره إلى 140 جنيها (7.8 دولار).

ويبلغ متوسط دخل الموظف المصري الشهري نحو 200 دولار أمريكي.

أثرت الاضطرابات السياسية في مصر، بدءا من ثورة 25 يناير/ كانون الثاني 2011، على اقتصاد الدولة الذي تراجع بشكل ملحوظ بسبب خروج استثمارات أجنبية وتراجع عائدات السياحة وقناة السويس، فضلا عن انخفاض ملحوظ في تحويلات المصريين العاملين بالخارج.

وكان البنك المركزي المصري قد أعلن في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 2016، تحرير سعر صرف الجنيه المصري مقابل العملات الأجنبية، ليتراجع سعر صرفه أمام الدولار من 8.88 جنيه للدولار قبل التعويم إلى 20 جنيها. وبعدها، انخفض إلى نحو 18 جنيها، وهو ما أدى إلى قفزات كبيرة ومتتالية في أسعار السلع والخدمات.

وبما أن مريم تسكن وحدها مع والدها، فهما يعدان معا الطعام على نحو شبه يومي.

تحكي مريم عن بعض الحيل التي تلجأ لها لتعويض نقص بعض المكونات في السوق المصرية، فهي مثلا تستغني عن المكونات التي ارتفعت أسعارها كثيرا مثل بعض أنواع السمك. كما أنها استغنت تماما عن أي طبق يحتوي على نبات الهليون بسبب الارتفاع “الجنوني” في سعره.

ولكنها تقول إنها عندما تحضر المقلوبة، فإنها لا تقدم أي تنازلات، فالطبق “يجب أن يقدم تماما مثلما كانت تحضره الأم للعائلة”.

“فتة باذنجان” في رام الله هربا من أسعار المطاعم

تفضل رمز بشارات (24 عاما) أن تطبخ طعام الإفطار بنفسها؛ وإلا فإنها ستضطر لأن تدفع ستة أضعاف التكلفة في معظم المطاعم في رام الله بالضفة الغربية.

تشعر رمز بأنها أفضل حالاً من معظم العائلات التي قد تتضرر أكثر بكثير منها بسبب الغلاء والمصاريف المرتفعة في رمضان؛ فهي تسكن بعيداً عن عائلتها، كحال العديد من الباحثين عن العمل الذين تستقطبهم رام الله كونها العاصمة الإدارية للسلطة الفلسطينية ومقر العديد من المنظمات والمؤسسات الدولية.

ورغم ارتفاع الأسعار عموما في مدينة رام الله مقارنة بالمدن الأخرى في الضفة، فإن أسعار بعض السلع الأساسية تستمر بالازدياد في رمضان.

لا يكلف طبق “فتة الباذنجان” الذي تعده رمز أكثر من خمسة دولارات – وهو مبلغ لا يرهق راتبها الشهري كموظفة في إذاعة محلية، كما أنه يكفيها وصديقتها في بيتهما المستأجر. بينما لو ذهبت إلى مطعم يعتمد نظام البوفيه المفتوح فستضطر لدفع ما يتراوح بين 30 و35 دولاراً.

كما أن تحضيره لا يأخذ كثيرا من وقت رمز التي تعد رسالة الماجستير.

تضع رمز وعاءا يحوي قطع البندورة والبصل والفلفل والباذنجان على النار، وتقلي قطع الخبز لتصبح مقرمشة ثم تسكب اللبن فوق طبقة الخضروات والخبز، وترتب قطع الدجاج فوقها.

“لا أستطيع أن أدعو مجموعة كبيرة من الناس للإفطار لأنه يشكل عبئاً على الميزانية”، تقول رمز وهي ترش البقدونس المقطع لتزيين الطبق.

قد تختصر رمز بعض الكماليات مثل الصنوبر واللوز لارتفاع أسعارها، كما أنها لا تستطيع إعداد الحلوبات الرمضانية كالقطايف كل يوم.

توضح رمز أنها تجدول مصروفها بحذر حيث يكون لديها التزامات مادية أخرى خلال الشهر.

رصدت رمز ارتفاعا طفيفا في أسعار اللحوم والدواجن، ولذا فهي تشتري من محلات تعتمد أسعاراً تنافسية، كسوق الخضار المركزي وسط المدينة والبقالات الكبيرة التي تقدم تخفيضات.

يقول إبراهيم القاضي، مسؤول دائرة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد لبي بي سي، إن رمضان لم يشهد ارتفاعاً للأسعار هذا العام بسبب المنافسة الشديدة بين التجار وضعف القدرة الشرائية، حيث ساهم هذان العاملان في استقرار الأسعار المرتفعة أصلاً بالنسبة لمعدل الرواتب الشهرية للفلسطينيين.

لم تكن رمز تسكن في رام الله قبل عامين، لذا فهي لا تذكر حملة نظمها الفلسطينيون لمقاطعة اللحوم في رمضان عام 2016 احتجاجاً على غلاء أسعارها، حيث وصل سعر الكيلوغرام الواحد من لحم الخاروف إلى نحو 30 دولارا.

قد تكون هذه الحملة واحداً من أسباب اعتدال الأسعار منذ ذلك الحين في رمضان، خاصة وأن الحكومة لا تتدخل في تحديد الأسعار بشكل مباشر معتمدةً اقتصاد السوق.

وهذا العام نشر بعض مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي دعوات مشابهة لإطلاق حملات مقاطعة للمطاعم احتجاجاً على أسعارها المرتفعة خاصة في رام الله.

أما رمز فتستمر في الطهي في البيت أو في بيت العائلة في قرية طمون، شمالي الضفة الغربية، التي تبعد ساعتين تقريباً عن رام الله.

سودانيون بلا “الحلو مر” هذا العام

تعمل أمال التوم، التي تجاوزت 60 عاما، في تجارة الخضروات في إحدى الأسواق الصغيرة في أقصى غرب العاصمة السودانية الخرطرم. لكنها ومع بداية رمضان، لجأت إلى تغيير أصناف بضاعتها.

في السوق الذي تعمل فيه كثير من البائعات، كانت أمال تجلس على كرسي بلاستيكي وأمامها أصناف من التوابل والبهارات معبأة في أكياس صغيرة وذات مقاسات مختلفة.

تقول لبي بي سي إن هذه الأصناف تجد إقبالا كبيرا في رمضان على عكس الفاكهة والخضر.

“قمت بتعبئتها في أكياس صغيرة لأبيعها بأسعار معقولة لأن معظم الزبائن هنا من ذوي الدخل المحدود وليس بإمكانهم شراء احتياجات رمضان دفعة واحدة كما تفعل العائلات الثرية”.

وتضيف أمال التي تعول أسرة مكونة من خمسة أشخاص “ما أبيعه في اليوم غير كاف ولكنه يساعدني في شراء بعض المستلزمات الأخرى لأسرتي، خاصة وأن الأسعار قد ارتفعت بصورة جنونية هذا العام”.

وشهد السودان ارتفاعا كبيرا وغير مسبوق في أسعار السلع الاستهلاكية في رمضان هذا العام، ووصلت الزيادة في أسعار بعض المواد (مثل السكر والزيوت واللحوم) إلى 200 في المئة عما كان عليه العام الماضي.

وتلقي الحكومة باللوم في ذلك على من تصفهم بالمضاربين والسماسرة، وأنشأت أسواقا جديدة داخل الأحياء السكنية لبيع المواد الغذائية بأسعار مخفضة.

وتدهورت قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية إلى درجة أنه وصل إلى 40 جنيها مقابل الدولار الأمريكي في الشهور الماضية.

كما يعاني بنك السودان المركزي من شح في الاحتياطات النقدية في ظل عدم قدرة القطاع المصرفي على إرسال واستقبال العملات الأجنبية بالرغم من رفع الحصار الاقتصادي الأمريكي عن البلاد في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.

واضطرت العديد من العائلات السودانية إلى تغيير سلوكها الغذائي في رمضان هذا العام بسبب الغلاء. ومن بينهم أمال التي تؤكد أنها لم تصنع مشروب “الحلو مر” هذا العام بسبب التكاليف العالية.

ويعتبر “الحلو مر” من أشهر المشروبات وأقدمها في مائدة رمضان في السودان ويصنع من خليط من الذرة المخمرة والأعشاب والبهارات والسكر.

وتقول بأسى “لم أصنع الحلو مر هذا العام ولكنني استعضت عنه بمشروبات أخرى مثل عصير الكركدي والعرديب”.

عند منتصف النهار تعود أمال إلى منزلها الذي يبعد كيلومترات قليلة عن السوق لتنال قسطا من الراحة قبل أن تبدأ تحضير طعام الإفطار لأسرتها.

بدأت أمال في تقطيع بعض الخضروات في مطبخها الصغير لإعداد وجبة شعبية. لكنها تقول إنها عادة ما تتناول الإفطار مع جيرانها “إن عرفنا أن إحدى الجارات ليس لديها ما تطبخه، نذهب إلى منزلها ونتناول الإفطار معها دون أن نشعرها بالحرج”.

“حذاقة” تونسية في رمضان

هي حتما “وزيرة المالية” في البيت، كما تقول. أما في شهر رمضان، فتتخلى قليلا عن سياسة التقشف التي تتبعها باقي أشهر السنة.

فضيلة السوسي، ربة بيت تونسية، تواجه شهر رمضان صعبا مثل آلاف العائلات التونسية الأخرى.

“نواجه مصاعب جمّة منذ سنوات”، تقول السيدة الخمسينية التي يعمل زوجها حلاّقا.

وتضيف أنّ “هناك طرقا ممكنة لتجاوز غلاء المعيشة”، وذلك في إشارة إلى ما يصفه التونسيون بـ”الحْذاقة”، أي القدرة على التعامل مع كلّ الوضعيات والحالات المستعصية.

تعد فضيلة العدة لطهي شوربة الفريك، الوجبة الأشهر في تونس في شهر رمضان.

“هو شعير محمص ذو حبات صغيرة”، توضح فضيلة. “سعره لم يرتفع كثيرا في السنوات الأخيرة. أنا أعدّه في البيت أصلا، كلّ صيف”.

قبل بدء شهر رمضان بيومين، بلغت نسبة التضخم 7.7 في المئة، وسط مخاوف من استمرار النزيف، في شهر استهلاكي بامتياز.

وفي تونس، لا تزال آلاف العائلات تعدّ “العولة”، وهي تخزين أغذية من أصل نباتي كالكسكسي والبهارات أو تحويلها إلى مواد شبه جاهزة للاستهلاك كالفلفل والطماطم.

وتقول فضيلة إنها تحتاج، إلى جانب الشعير، إلى “زيت الزيتون الذي قفز سعره خلال السنوات الأخيرة ليبلغ في بعض الأحيان أكثر من 12 دينارا (نحو 4.5 دولار أمريكي) للتر الواحد”، يضاف إليهم “الثوم الذي تجاوز سعره 6 دنانير للكيلوغرام الواحد والفلفل والطماطم والبقدونس”.

وتقول فضيلة إنه من الممكن إضافة اللحم أو السمك أو الدجاج للشوربة. لكنها تستدرك بأن كثيرا من العائلات التونسية لم تعد قادرة على دفع ثمن اللحوم والأسماك بأنواعها.

وكانت وزارة الفلاحة قد أعلنت، عشية بداية شهر رمضان، فتح مراكز خاصة لبيع منتجات غذائية دون المرور عبر وسطاء أو تجار.

وترى فضيلة أن “الحكمة تكمن في كيفية التصرف في ميزانية العائلة وتجنب الاكتواء بالأسعار”، معترفة بأن شهر رمضان “قد تحول إلى شهر للأكل والشرب والإقبال على كلّ ما لا يمكن اقتناؤه في بقية شهور السنة”.

وتروي لنا فضيلة كيف أنها حريصة على مقارنة أسعار السلع المعروضة في مختلف المتاجر والمحال.

“هناك أسواق ومراكز تجارية وبقالات، وفارق السعر يكون أحيانا مبالغا فيه. لهذا أختار بعد تدقيق في الأسعار بين مختلف المتاجر”.

وتقول منظمة الدفاع عن المستهلك في تونس إن معدل الشراء تراجع في الأيام الأولى من شهر رمضان، بسبب ارتفاع الأسعار. إلا أن الحكومة فرضت مراقبة عجلت بانخفاض طفيف في أسعار بعض الخضراوات والغلال.

BBC

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *